لم أعِ يومًا أن الأمانَ ليس وطنًا نعيش فيه،
ولا سقفًا يظلّلنا من المطر،
ولا بابًا نغلقه لننام في سلام،
بل هو شعورٌ يسكن القلب،
وإذا غاب… غاب معه كلُّ شيء.
كنتُ أظنُّ أنّ الأمان يُولد مع وجود الأحبّة،
مع ضحكةِ أمٍّ، أو نظرةِ أبٍ،
مع صوت صديقٍ يقول: “أنا بجانبك”.
لكنّي اكتشفت أنّ الأحبّة قد يرحلون،
وأنّ الضحكات قد تخبو،
وأنّ الأيادي التي أمسكت بك يومًا… قد تفلتك.
فقدتُ الأمان حين صار كلُّ شيءٍ حولي مؤقتًا،
الوجوه، الأماكن، العهود، وحتى أنا…
صرتُ غريبة عن نفسي،
أمشي في الطرقات كأنّني ظلٌّ يبحث عن جسده،
أفتّش في الوجوه عن نظرةِ دفء،
وفي الأصوات عن نبرةِ حنان،
وفي الليالي عن حلمٍ لا يرتجف.
الأمان ليس في أن تُغلق بابك،
بل في أن تفتح قلبك دون خوف،
أن تحكي دون تردّد،
أن تبكي دون أن تُدان،
أن تسقط فيُمسكك أحدهم لا ليسألك لماذا،
بل ليرفعك فقط لأنه لا يُريدك أن تبقى في القاع.
كنت أستيقظ ليلاً مذعورة من كابوسٍ لا أعرفه،
أتحسّس روحي لأتأكد أنّني ما زلت هنا،
أنني لم أُفقد بالكامل…
أن بقايا الأمان التي تشبثتُ بها لم تتبخّر بعد.
وحين سكنني الخوف،
صار كل شيءٍ مرعبًا:
الهدوء صار مخيفًا،
والصمت صار عاصفة،
والمحبّة صارت سؤالًا لا إجابة له.
فقدتُ الأمان، لا لأن العالم تغيّر،
بل لأن الثقة كُسرت،
والقلوب التي احتميتُ بها،
غادرتني دون وداع.
ورغم ذلك…
ما زلت أبحث عنه،
في دعاءٍ صادق،
في حضن صلاةٍ،
في لحظةِ صدقٍ مع نفسي،
علّني أجد من جديد ذلك الشعور الذي لا يُشترى،
ولا يُمنح،
بل يُولد من الطمأنينة التي يسكنها الله.






المزيد
ارتباك بقلم دينا مصطفي محمد
حين تتشقق المرايا داخلنا ونكتشف أننا نحمل أكثر من وجه ولا نعرف أيّهم نحن حقًا بقلم هاجر أحمد عبد المقتدر
الفصل الخامس عشر: النهاية – متأخر… لكن ليس انتهى بقلم الكاتب هانى الميهى