مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

غزة؛ دخان من الرؤوس

Img 20241202 Wa0000

 

كتبت: هاجر حسن 

 

 

كثيرًا ما نتمنى لو أن ما تراه أعيننا كذبة، لو كان من مجرد وهم من نسج خيالنا. نغمض أعيننا ونفتحها على أمل أن يختفي المشهد، أن يكون ما رأيناه لا يمس الواقع بصلة. 

 

لكن الحقيقة تأتي لتصفعنا بمرارة الخذلان. نتمنى حينها لو أن الأرض ابتلعتنا، لو أن أعيننا لم تُبصر ما أبصرته، من هول الألم. 

 

في غزة، اعتدنا على رؤية مشاهد لم تندمل جراحها بعد: حرائق الأجساد، ازدحام الناس من أجل رغيف خبز، وأطفال يتلهفون لقطرة ماء. لكن هذه المرة، المشهد مختلف تمامًا. ما رأيناه كان أشبه بالخيال، لكن للأسف، أصبح واقعًا أمام أعيننا.

 

في حين علمنا بأن الدخان يتصاعد من المدافئ، يعلن احتراق الحطب، لتدفئة الأجساد في ليالي الشتاء القارسة. في غزة، تصاعد من الرؤوس. نعم، كما قرأت عيناك، دخانٌ كثيفًا يتصاعد من رأس الإنسان. 

 

تصاعد يحمل معه أرواحًا تحترق. دخانٌ لا يجرؤ أحد على إطفائه، تصاعد ليكشف عن أسلحة محرمة تُجهز على ما تبقى من إنسانية، ليعلن أن البشرية قد تجردت من ملامحها. تصاعد ليثبت أننا نعيش في أشد الزمان قسوة في تاريخ الإنسانية.

 

ظننت أنه أكذوبة، حدثت نفسي: لا بد أنها خدعة ذكاء اصطناعي! مشهد سينمائي، صور مزيفة تهدف للعب بأعصابنا! لا يمكن أن يكون هذا حقيقيًا.

 

لكن يا للحسرة، ويا للفاجعة التي أحلّت بالإنسانية.. ما رأيت كان واقعًا مروعًا. دخان يتصاعد من رؤوس البشر، يحلل أجسادها، لُيحرق ما تبقي من إنسانية فينا. صورة تُجبرك على التساؤل: أين ذهب العالم؟ وكيف أصبحت القلوب متجمدة؟

 

سكت العالم، سكت عن الجريمة، وعن القبح الذي يلتهم الأرواح في غزة، سكت وكأنما الصمت أصبح لغته الوحيدة. لكن يقيننا بعدل الله لا يتزعزع، ولولا هذا اليقين، لكان هذا المشهد كافيًا لإفناء عقولنا.