عُمرٌ مُستعار.. ونبضٌ قيد الشحن بقلم د. أمجد حسن الحاج
استيقظَ “يونس” في السادسة فجراً، ليس لأن الشمس أشرقت، بل لأن “بطارية” روحه أطلقت إنذارها الأخير. لم يعد جسده ملكاً له، بل صار مجرد هيكلٍ معدنيٍ مغلفٍ بجلدٍ شاحب، يحتاجُ في كل ليلة أن يغرس ظهره في ذلك الثقب البارد ليمتص فتات الطاقة، كي يمنح العالم يوماً آخر من “الخدمة” الشاقة.
كان يونس يتذكر زمناً قديماً، زمن الأجداد، حين كان النوم طقساً من طقوس السكينة، وحين كانت الأحلام تولد من فيض الراحة لا من اضطرار الاستمرارية. أما اليوم، فقد تحول سريره من محرابٍ للهدوء إلى “محطة صيانة”. لم تعد الوسادة تحتضن رأسه المتعب، بل غدا جسده كالقابس الكهربائي، لا قيمة له إلا بقدر ما يحمله من شحنات تكفيه للوصول إلى مكتبه، ومجاراة ضجيج الشوارع، وابتلاع غبار الالتزامات التي لا تنتهي.
في كل صباح، يجلس على حافة فراشه، يفرك عينيه الغائرتين، ويشعر بالخوف؛ الخوف من أن يأتي يومٌ لا يتطابق فيه “مقبس” جسده مع “منفذ” الحياة، أو أن يفرغ مخزونه قبل أن يصل إلى محطة المساء. لقد سئم من كونه ترساً في ماكينة كبرى، تُغذيها ساعات نومه الميكانيكية، وتستنزفها ساعات عمله التي لا ترحم.
نظر إلى المرآة، فلم يرَ إنساناً، بل رأى “أداة” تنتظر الإذن بالتحرك. أحس بمرارة في حلقه وهو يدرك أن قلبه لم يعد يدق بالحب أو الشغف، بل ينبض بإيقاعٍ رتيب، كأنه مؤشر طاقة يتأرجح بين الصفر والواحد. غادر غرفته وهو يجرّ أذيال الخيبة، تاركاً خلفه سريراً يعرف عنه أكثر مما يعرفه أقرب الناس إليه؛ سريرٌ يشهد كيف تُسرق الأعمار في غفلة من الزمن، وكيف ننام لا لنرتاح، بل لنستعد لجولة أخرى من الاستهلاك المرير






المزيد
حين تصبح الكلمة وطنًا… ودور النشر حراس الوعي بقلم علياء حسن العشري
الليالي العشر بقلم عبير عبد المجيد الخبيري
اليوم الثاني أبرز التحديات التي تواجه صناعة النشر في مصر حاليًا بقلم الكاتب هانى الميهى