عندما يصبح الظهر أساسًا للقمة.
بقلم د. أمجد حسن الحاج
الرجل في الأسفل، ظهرهُ مقوسٌ تحت وطأةِ الثقل، ليس ثقل المعدن وحسب، بل ثقل الهدف، ثقل المسؤولية. إنه يمثل الأساس، الدعامة التي بدونها ينهارُ السعي. ملامحهُ، وإن كانت مجردَ نقاطٍ على قضبان، تنطقُ بالإصرار الهادئ، بالجهد غير المرئي الذي لا ينالُ الأضواء. إنهُ التضحيةُ في أبهى صورها، بذلُ الجهدِ لتمكينِ الآخر، لإرساءِ سلمٍ يعلو به من يعتمدُ عليه. قد يكونُ هذا الجندي المجهولُ أبًا، معلمًا، صديقًا، أو حتى جزءًا من الذات يضغطُ على نفسه ليصعدَ الجزءُ الآخر.
أما الصاعدُ، فخطواتهُ أشدُّ وضوحًا، وأكثرُ ديناميكية. يداهُ تتشبثانِ بقضبانِ الأمل، وساقاهُ تدفعانِ الجسدَ نحو الأعلى، نحو حافةِ الغيب. هو يرى القمة، يستشعرُ نسيمَ الإنجاز، لكن صعودهُ مرهونٌ تمامًا بالثباتِ الذي يمنحهُ إياه الواقفُ تحت قدميه. لا يمكنُ فصلُهما؛ فالصعودُ ما هو إلا نتيجةٌ مباشرةٌ للاستنادِ المتين. هذا الرجلُ يمثّلُ الطموحَ المشروع، الجيلَ الذي يبني على أكتافِ من سبقوه، الإنجازَ الذي يولدُ من رحمِ التضحية.
السلّمُ الحديديُ المائل، هو مسارُ الحياةِ ذاته. درجاتهُ متقاربةٌ لكنها صعبةُ المرتقى، ترمزُ إلى التحديات المتعاقبة والفرص المتاحة. إنهُ ليس مستقيمًا تمامًا، بل مائلٌ بزاويةٍ تُشعرُ الناظرَ بالجهدِ المبذولِ لمقاومةِ الانحدار.
إن هذه المنحوتة لا تتحدثُ عن فوزِ شخصٍ على حسابِ آخر، بل عن تكاملٍ يوجبُ النجاح. إنها درسٌ صامتٌ في فلسفةِ العونِ والمؤازرة؛ لا قمةَ تُدركُ في العزلةِ التامة، وكلُّ صعودٍ عظيمٍ خلفهُ جذورٌ ثابتةٌ تُمسكُ بالأرض. هي رسالةٌ خالدةٌ تُنحتُ في الحديد: أنَّ قوةَ المجتمعِ تكمنُ في إسنادِ بعضهم لبعض، وفي قيمةِ من يحملُ العبءَ بصمتٍ ليرى غيرهُ يحلقُ في السماء. إبداعٌ يلخصُ مسيرةَ الإنسانية بأكملها.
عندما يصبح الظهر أساسًا للقمة – الكاتب أمجد حسن الحاج






المزيد
ارتباك بقلم دينا مصطفي محمد
حين تتشقق المرايا داخلنا ونكتشف أننا نحمل أكثر من وجه ولا نعرف أيّهم نحن حقًا بقلم هاجر أحمد عبد المقتدر
الفصل الخامس عشر: النهاية – متأخر… لكن ليس انتهى بقلم الكاتب هانى الميهى