مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

عزلة الروح ملاذ الشفاء

Img 20240229 Wa1233

كتبت: هاجر حسن

قد تَكُون في العُزلة شِفاءك وسكِّينتك؛ مثل الصَّياد الذِي يَجد في الأمواج المنخفضة راحته، وَفِي هُدُوء البحر سكينَته؛ فما مِن بشر إِلَّا وقد تَعرض لِصدمَات، وندبَات كادَت أنَّ تَوقف دَقات قَلبِه عن الحيَاة. بعض الأزمات تَكُون هَينَة كَنسمَة رِيَاح عَابِرة، تَمُر مُرُور الكرَام وَتمضِي ونحن صامدون قُلوبنَا كالجبال ثابِتة، والبَعض الآخر يَكُون عميقًا وَصدمَة تَجرَح القلب والرُّوح معًا، كالسَّهم المسموم، متى مَا أصابتنَا ، تُدخلنَا بِغيبوبة.

 

تجعلنَا نَنغلِق على أَنفسِنا، مثل نَسر حزين فقد رِيش جناحَيه، فانعَزل لِتجدِيد قُوَّته وَريشِه.

بَعض جُرُوح القلب، تجعلنَا نَنفَرِد بِأنفسنَا في عُزلَة طَويلَة الأمد، كالشَّجرة اَلتي تُحَاول تَجدِيد أوراقهَا بَعد مُرُور الخريف؛ فَنجِد أَننَا نَعتَزِل حقًا كُل شَيء، مَا نُحِب، ومَا اِعتدنَا حتَّى على القيَام بِفعله، فنحن حِينهَا لا نَعتَزِل البشر من حولنَا فقط، بل نَعتَزِل مَعهُم كَذلِك؛

شُرفتنَا المبهجة، نَسائِم الهَواء الباردة، التي كَانَت تُلَاطِف وُجوهَنَا مثل صلَاة فَجر تُنير ملامحنَا وقلوبنَا.

نَبتَعِد أيْضًا عن السَّمَاء، التي تَلمَع عُيوننَا بها كالأطفال عند رُؤيَة الحلوى، وعن اللَّيْل وَنجُومه المتلألئة، المحِبة لِسهرنَا مع روايتنَا، وروائح فِنجَان القهوة الشهي.

نبتَعد أيضًا عن القمر الحنون، الذِي لم يمل قطُّ لحديثنَا معه كالرفيق الوَفِي، ونبتَعد أخيرًا وليس آخرًا عن المطر، الذي يَروِي قُلوبَنَا قَبل أجسادنَا، نَهجر كل البشر سواء كانوا مقربين من قلوبنا أو عقولنا.

 

هكذا نَجِد أَنفُسنا نَبتعِد عن كُل شَيء، نَنفرِد بِذاتِنَا بِعزلة، مُدتهَا، لَيسَت قط بِالقصيرة، فَنصبح كالفصول التي تَمُر بنَا بِتغيراتهَا وتقلُباتهَا.

يَمُر الوقتُ ونحن غافلون عن حِساب عدد الأيَّام والساعات التي تَمُر، كأننا أصبحنا مثل سَّاعة فَقدَت أحد أحجارهَا فَصمَت عقَّاربهَا عن اَلدَّق؛

نُجَاهِد حتى نَستطِيع أن نُحي من جديد رُوحَنَا الغائبة عَنا، التِي مِن شِدة عُمق جِراحِهَا، وكَأنهَا سافرت إلى سَمَاء بَعِيدَة كُل البُعد عن مُحيط الأرض.

 

نُحَاوِل بِكل مقدرتنَا أن نُدَاوِي جرحُنا الملتهب مثل جَمرَة فَحم مُشتعلَة، لِنجعَله يَبرُد تمامًا كَأنه يُبحِر في بَحر بَارد من الثَّلج.

ننتَظر ونتأَمَّل لِترجع رُوحَنَا المهاجرة عَنا من عُزلتِهَا وسفرِها، كالطَّائر الذِي يَعُود إِلى عُشِّه بَعد رِحلَة طَويلَة شَاقَّة،

لِنعود من جديد نَحو شغفنَا وحياتنَا، نَبتَهِج كَفَراشَة خَفِيفَة تَتَمايَل وتطير فرح مُتَشوقَة لِحقول الورد، لِنفعل بِشَوق كُل مَا نُحِب، كالربيع الذِي يأتي لِلأشجار بِأوراقها الخضراء بَعد جَفَاف وَسكُون مر بها.

 

في نهاية عُزلتِنَا، نكتَشِف أَنَّه لولَا الانفراد بِالذَّات، والاستماع لصَوت قُلوبِنَا، مَا كُنا استطعنَا شِفَاء جَرح قُلوبِنَا، وَعودَة أرواحنَا من أَعمَاق حُزنِها قط؛

 

نعم؛ قد تَكُون أحيانًا العُزلة قَاسِية، لكِنها في ذات الوقت دوَاء ومرهم لِأنوَاع من جُرُوح وندبَات عَمِيقَة تُصيب القلب.

نَعِم؛ إن عُزلَة الرُّوح مَلَاذ الشِّفَاء.