مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

صلاتي مع جدتي

Img 20250310 Wa0074

 

سارة أسامة النجار 

 

هرِمَ الزَّمانُ ولم تهرُم جدَّتي، التي وُشِمَتْ بالتَّجاعيدِ، وتسرَّبَ البُهَاقُ إلى جِلدِها، وأكلَ الشَّيبُ شَعرَها بِنَهَمٍ، كأنَّ حِكاياتِ الزَّمنِ غَزَلتْ بَياضَها في خُصَلَاتِ شَعرِها. وضعُفَ سَمعُها وبَصَرُها، إلَّا أنَّ كلَّ هذا لم يَسْرِقْ شَبَابَ رُوحِها ويَقَظَةَ عقلِها.  

 

كانتْ هي وعُكَّازُها يَقِفَانِ في مَدخلِ عِمارتِنا كصديقين قَدِيمين، تَنتظرُ مُرورَ أحَدِ إخوتي، أو أيِّ زَائرٍ لنا، كمن يَنتظرُ عَودةَ الحَبيبِ من الغُربةِ. كانت تَنتظرُ من يكونُ زَاجِلَ رسالتِها لي: “أَحْكي لِسارة تنزلي.”  

 

كُنتُ أُسرِعُ في تَلبيةِ دَعوتِها، فأُعانِقُها كُلَّ يومٍ كأنَّنا لم نتعانَقْ منذ دَهرٍ. وكانت تُعاتبُني برِفقٍ على قِلَّةِ مَجيئِي لها. تُحدِّثُني عن حُلمٍ رأتْهُ قُربَ الكَعبةِ، وآخرَ رأتْ فيه وجهي في المَنَامِ بدرًا. كَانتْ تَقُصُّ علَيَّ مَنَاماتِها بشغَفٍ، وتَسألُني تأويلَهَا، وما أنا بِمُنبِئةٍ لأحلامِها، سِوَى أن أُبشِّرَها بالخَيرِ القادِمِ.  

 

وحينَ الظُّهرِ، تَدعوني للصَّلاةِ سويًّا؛ تَستأنِسُ بوجودِي، وأستأنِسُ بوقارِها. أَرفعُ يَدَيَّ مع تكبيرةِ الإحرامِ، وبصوتٍ خافِتٍ أقولُ: “اللهُ أكبر”. بعدَ ثَوانٍ تُعدِّلُ جدَّتي سَماعةَ أُذنِها بيدِها، تُحاوِلُ التِّقاطَ صوتي كمن يُفَتِّشُ عن قِبلتِه في مُتَاهةِ الحَياةِ، ثمَّ أَردفَتْ وهي تَكتفُ يَدَيها: “تَفضَّلي يا تِيتا، توكَّلي ع الله.”  

 

يا إلهي! إنَّها صَلاةٌ سرِّيَّةٌ، وجدَّتي ما زالت تَنتظرُ هُطولَ صوتي على أُذُنِها. هل أرفعُ صوتي في التِّلاوةِ؟ أم أُسرِعُ كي تُكمِلَ معي الرُّكوعَ والسُّجودَ، كما لو كانت كلُّ لحظةٍ معنا هي هَدِيَّةٌ من السَّماءِ؟  

 

تداركَتْ جدَّتي، وأَكمَلْنا صلاتَنا بِخشوعٍ، فَدَعَتْ لي وسألتني: “تيتا حَبيبتي، إذا أنا غَلَطتُ بالصَّلاة، أحكِي لي، ما بزعل.” أَجَبتُها بابتِسامةٍ: “بالعَكس، كُلُّه تمام، اللهُ يَتقبَّلُ منكِ ومِنِّي.”  

 

وهنا أمعنْتُ في دَعواتِها التي تَسكُبُ النُّورَ في روحي، بينما بدأْتُ استرجاعَ شَريطِ طُفولتي. حيث كُنتُ أَقِفُ بجانبِها وهي تُصلِّي، تُعلِّمُنِي أركانَها، وتَكتِمُ ضِحْكَتَها عِندَما تَسمَعُ زَقزَقاتِ لساني، التي كُنتُ أعتقِدُ أنَّها تَسابِيحُ الصَّلاة. عَدا عن أنَّها كانت تَفتَحُ المُصحفَ، وتُحَفِّظُني السُّوَرَ القَصِيرةَ، رغمَ أنَّها لا تُجِيدُ القِراءةَ والكِتابةَ، لكنها تُجِيدُ التَّقوى والإيمانَ.  

 

كبرَتْ حَفِيدَتُكِ يا جَدَّتي، وتَبدَّلتْ أدوارُنا، دون أنْ تَتغيَّرَ انحناءةُ جَسدِكِ نحوِي لتُقبِّلَني، وتُعطِّرَني بدَعواتِكِ النَّقيَّةِ.  

 

وأمامَ هَدَايَا الأجْرِ، وَعَدتُ جَدَّتي أن آتي لنُصلِّي الظُّهرَ والعَصرَ جماعةً، وأتجاهَلُ من يُخبِرني أنَّها سَبقتنِي بالصَّلاةِ. فتُعِيدُ صلاتَها معي، وتُودِّعُ رَكعاتِها دونِي في مِحرابِ نَوافِلِها التي لا يَعلمُ عِددَها إلَّا العلِيمُ الحَكيمُ.  

 

صلواتي مع جدَّتي ليست مُجرَّد شَعِيرةٍ دِينِيَّةٍ، بَل هي لَحظةٌ حَمِيمِيَّةٌ تَربُطُ بينَ جِيلَين، تُعلِّمُنِي الصَّبرَ، والتَّواضعَ، والإيمانَ. وهي نَبضٌ حَيٌّ يَتَسرَّبُ في مَسامَاتِ الرُّوحِ، يُرمِّمُ تَشَقُّقاتِ الأيَّامِ، ويُعلِّمُنِي أنَّ الإيمانَ ليسَ طقسًا عابرًا، بل دِفْءٌ يَنبتُ في القُلوبِ.  

 

وفي كلِّ مرَّةٍ أرفعُ فيها يَدَيَّ، أسمَعُ هَمَساتِ دعواتِها تَتَسلَّلُ كضَوءِ الفَجرِ، تُسقِي عُمري بماءِ البَرَكَةِ. جدَّتي، وإن غابَتْ يَومًا عن عَيني، سَتبقى تِلكَ السَّجادةُ التي جَمَعَتْنا شاهدةً على عَهْدٍ بيني وبينَ السَّماءِ. ستظلُّ دعواتُها وِشاحًا مِن نُورٍ يُحيطُني حتَّى أَلقاها في جَنَّةِ الصَّلاةِ الأبديَّةِ.