مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

حين يصبح القلق مكانًا مألوفًا بقلم الكاتب هاني الميهي

حين يصبح القلق مكانًا مألوفًا
بقلم الكاتب هاني الميهي

 

الفصل التاسع
كل هذا يحدث في الخارج

لكن شيئًا منه يحدث فينا

كنتُ أعرف أنه قلق.

لكنه لم يكن يعرف.

استيقظ قبل موعده بنصف ساعة.

مد يده إلى الهاتف.

لا رسائل.

فتح البريد الإلكتروني.

لا جديد.

دخل إلى الأخبار.

كل شيء كما كان.

وضع الهاتف إلى جواره.

حاول أن يغمض عينيه.

بعد دقيقة فتحهما.

نظر إلى الساعة.

لم يتغير شيء.

ومع ذلك لم يستطع أن يعود إلى النوم.

لم يكن هناك خطر.

لم يكن هناك خبر سيئ.

لم يكن هناك موعد مهم.

لكن جسده كان يتصرف كما لو أن شيئًا ما على وشك الحدوث.

كنت أراه.

وأعرف أن المشكلة لم تكن فيما سيحدث.

كانت في الشيء الذي اعتاد أن ينتظره.

القلق.


بعض الناس لا يعرفون أنهم عاشوا طويلًا في حالة تأهب.

يظنون أن هذه هي طبيعتهم.

يقولون:

«أنا بطبيعتي أفكر كثيرًا.»

«أنا أحب أن أكون مستعدًا.»

«أنا لا أثق بسهولة.»

«أنا دائمًا أتوقع الأسوأ.»

ثم يضحكون.

وكأن الأمر مجرد صفة شخصية.

لكنني أراقبهم عندما لا يكون هناك شيء يستحق القلق.

أراهم يبحثون عنه.

خبر جديد.

مشكلة محتملة.

فاتورة لم تصل.

رسالة لم تُجب.

تغيير في العمل.

أعراض صغيرة في الجسد.

نظرة مختلفة من شخص.

أي شيء.

فالمشكلة أن النفس، عندما تعتاد التأهب طويلًا، قد تجد الهدوء غريبًا.


رأيتُ امرأة عادت من سفر قصير.

كانت الرحلة جيدة.

لم يحدث شيء.

وصلت إلى بيتها.

وضعت حقيبتها.

خلعت حذاءها.

جلست.

كان البيت هادئًا.

جميلًا.

آمنًا.

ومع ذلك قالت:

«هناك شيء سيحدث.»

لم يكن لديها دليل.

فقط شعور.

بحثت في هاتفها.

قرأت الأخبار.

وجدت حادثًا.

ثم خبرًا اقتصاديًا.

ثم قصة عن مرض.

ثم مشكلة عائلية لشخص تعرفه.

وبعد عشرين دقيقة أصبح لديها ما يكفي من الأسباب لتبرير خوفها.

نظرت إلى الشاشة.

شعرت بالراحة.

نعم.

الراحة.

وهنا توقفت.

لأنها أدركت شيئًا غريبًا:

كانت أكثر اطمئنانًا عندما وجدت ما يقلقها.


كيف يمكن للإنسان أن يشعر بالأمان داخل القلق؟

يحدث ذلك عندما يصبح القلق مألوفًا.

المألوف ليس دائمًا مريحًا.

لكنه معروف.

والنفس تحب ما تعرفه حتى لو كان يؤلمها.

قد يعيش الإنسان سنوات في علاقة مضطربة، ثم عندما يدخل علاقة هادئة يشعر بالريبة.

قد يعمل سنوات تحت الضغط، ثم عندما يحصل على وظيفة أكثر استقرارًا يشعر أنه لا يفعل ما يكفي.

قد يعيش طويلًا وهو ينتظر المصيبة، حتى إذا مرت الأيام بلا مصيبة بدأ يتساءل:

«ماذا فاتني؟»

ليس لأنه يحب الألم.

بل لأن جهازه الداخلي تعلّم أن الهدوء مؤقت.


كنت أراه في عمله.

إذا انتهى كل شيء مبكرًا، لم يغادر.

يبحث عن شيء آخر.

إذا لم توجد مشكلة، صنع قائمة جديدة.

إذا انتهى المشروع، بدأ مشروعًا آخر قبل أن يأخذ نفسًا.

كان الجميع يصفه بالنشيط.

وأنا كنت أعرف أنه لا يستطيع التوقف.

هناك فرق بين الإنسان الذي يحب الإنجاز…

والإنسان الذي يخاف الفراغ.

الأول يعمل لأنه يريد أن يبني.

والثاني يعمل لأنه لا يريد أن يسمع نفسه.


ذات مساء، عاد إلى البيت مبكرًا.

كانت لديه ساعتان بلا التزامات.

جلس على الأريكة.

ثلاث دقائق.

ثم وقف.

رتب شيئًا.

غسل كوبًا.

فتح البريد.

راجع حسابه.

فتح الهاتف.

شاهد مقطعًا.

انتقل إلى آخر.

ثم نظر إلى الساعة.

ما زال أمامه أكثر من ساعة.

تنهد.

قلت له من الداخل:

«لماذا لا تجلس؟»

لم يجب.

لأنه لم يكن يعرف كيف.

وهذه ليست مشكلة وقت.

إنها مشكلة علاقة بالذات.

هناك أشخاص يستطيعون إدارة عشرات الأشخاص، ولا يستطيعون إدارة عشر دقائق مع أنفسهم.


القلق لا يقول دائمًا:

«أنا خائف.»

أحيانًا يقول:

«كن مستعدًا.»

وأحيانًا:

«راجع الأمر مرة أخرى.»

وأحيانًا:

«تأكد.»

ثم:

«تأكد مرة أخرى.»

ثم:

«ربما نسيت شيئًا.»

ثم:

«ماذا لو…؟»

ويظل الإنسان يتحرك.

يراجع الباب.

الهاتف.

الحساب.

الموعد.

الرسالة.

القرار.

ثم يعود إلى الشيء نفسه.

ليس لأنه يحتاج إلى المراجعة.

بل لأنه يحتاج إلى الإحساس المؤقت بالسيطرة.


وهذه نقطة مهمة.

القلق يمنح الإنسان أحيانًا شعورًا كاذبًا بأنه يفعل شيئًا.

أن تقلق يبدو أفضل من أن تنتظر.

أن تفكر في كل الاحتمالات يبدو أفضل من أن تعترف بأن بعض الأشياء خارج سيطرتك.

فتجلس وتخطط لأسوأ الاحتمالات.

تضع سيناريوهات.

وتقول:

«أنا فقط أستعد.»

لكن متى ينتهي الاستعداد؟

إذا كان الاحتمال التالي دائمًا ممكنًا، فلن ينتهي.

وهكذا يصبح الاستعداد حياة كاملة.


رأيت أمًا تراقب ابنها وهو يخرج من المنزل.

قالت:

«انتبه لنفسك.»

خرج.

أغلقت الباب.

بعد عشر دقائق اتصلت.

لم يرد.

بدأ القلق.

بعد خمس دقائق أخرى اتصلت.

ثم أرسلت رسالة.

ثم اتصلت مرة ثالثة.

كان يقود السيارة.

لم ير الهاتف.

لكنها في رأسها كانت قد عاشت عشرات الاحتمالات.

حادث.

مشكلة.

تأخر.

شيء سيئ.

وحين اتصل بها أخيرًا وقال:

«كنت أقود.»

شعرت بالراحة.

ثم قالت:

«كنت قلقة عليك.»

ولم تعرف أن جزءًا منها كان قد بدأ يشعر بالأمان فقط بعد أن عاد الخطر المتخيل إلى حجمه الطبيعي.


لا أقول إن القلق غير ضروري.

هناك قلق يحمي.

يجعلك تراجع قرارًا.

تستعد لاجتماع.

تنتبه لصحتك.

تدخر للمستقبل.

تخطط للمخاطر.

هذا قلق يؤدي وظيفة.

لكن هناك قلق آخر لا يحميك من المستقبل.

إنه يجعلك تعيشه قبل أن يأتي.

وهذا هو القلق الذي يأكل الحاضر.


في إحدى الليالي، كانت جالسة وحدها.

وصلتها رسالة من صديقة:

«أريد أن أتحدث معك غدًا.»

فقط.

لم تشرح شيئًا.

قرأت الجملة.

توقفت.

من هذه الكلمات القليلة صنعت ليلة كاملة.

«هل حدث شيء؟»

«هل أخطأت في حقها؟»

«هل هناك مشكلة؟»

«هل ستبتعد؟»

«لماذا قالت أريد أن أتحدث؟»

ثم بدأت تراجع آخر محادثة بينهما.

الجملة.

النبرة.

الضحكة.

حتى علامة الترقيم.

قلت لها:

إنها رسالة من ست كلمات.

لكنها لم تكن تعيش الرسالة.

كانت تعيش تفسيرها.


وهنا رأيت كيف يستطيع العقل أن يحوّل الغموض إلى ألم.

الغموض مساحة فارغة.

والعقل لا يحب الفراغ.

لذلك يملؤه.

لكن إن كان الخوف هو الذي يملأه، فغالبًا سيضع فيه أسوأ شيء ممكن.

ثم يتعامل معه كأنه حدث بالفعل.


في اليوم التالي، التقت بصديقتها.

قالت لها:

«كنت أريد أن أخبرك أنني سأنتقل إلى مدينة أخرى.»

فقط.

لا مشكلة.

لا خصام.

لا كارثة.

جلست صامتة.

كانت تريد أن تضحك.

لكنها شعرت بشيء آخر.

شعرت بالتعب.

ليس من الخبر.

بل من الليلة التي عاشتها قبل الخبر.


كم ليلة عشناها بسبب أشياء لم تحدث؟

كم مرة خسرنا النوم أمام نتيجة لم تصل؟

كم مرة أفسدنا علاقة لأننا خفنا من نهايتها؟

كم مرة تعاملنا مع شخص على أساس ما توقعناه منه، لا ما فعله؟

كم مرة رفضنا فرصة لأننا عشنا فشلها مسبقًا؟

كم مرة أضعنا لحظة جميلة لأن جزءًا منا كان يسأل:

«ماذا لو انتهت؟»

هذه ليست حياة.

هذا نوع من الحضور الجسدي مع غياب داخلي.

الجسد هنا.

لكن النفس في مكان آخر.

غالبًا في المستقبل.


والإيمان في هذه المنطقة لا يعني أن الإنسان يتوقف عن التخطيط.

بل أن يعرف حدود التخطيط.

أن يأخذ بالأسباب، ثم يترك مساحة لما لا يستطيع التحكم فيه.

أن يعمل، ثم يتوكل.

أن يحتاط، ثم لا يجعل الاحتياط عبادة.

أن يفعل ما يستطيع، ثم يقول:

«وما لا أستطيع، أتركه لله.»

لأن الإنسان لا يملك الغد.

ولا يملك الناس.

ولا يملك النتائج.

ولا يستطيع أن يمنع كل خسارة.

لكن يمكنه أن يمنع نفسه من دفع ثمن الخسارة قبل وقوعها.


في نهاية ذلك اليوم، عاد الرجل إلى بيته.

وضع هاتفه على الطاولة.

نظر إليه.

ثم تركه.

لم يحدث شيء.

كان الهدوء موجودًا.

والغد ما زال مجهولًا.

لكن هذه المرة لم يبحث عن مشكلة.

جلس.

نظر من النافذة.

كان الشارع هادئًا.

أضواء السيارات تتحرك.

أحدهم يغلق متجره.

طفل يركض خلف كرة.

امرأة تفتح نافذة.

الحياة تحدث.

دون أن تسأله إن كان مستعدًا لكل تفاصيلها.

ابتسم.

ثم قال:

«يمكن أن يكون اليوم عاديًا.»

كانت جملة بسيطة.

لكنها بالنسبة إليه كانت اكتشافًا.

ليس كل هدوء مقدمة لعاصفة.

وليس كل صمت إنذارًا.

وليس كل تأخر كارثة.

وليس كل مجهول خطرًا.


أنا النفس.

وأعرف كم أحب الإنسان أحيانًا أن يسبق الأحداث.

لكنني أعرف أيضًا أن الحياة لا تمنحنا ضمانات.

وهذا هو الجزء الذي يجب أن نتعلم احتماله.

أن نعيش دون ضمان كامل.

أن نحب دون أن نعرف النهاية.

أن نعمل دون أن نضمن النتيجة.

أن نخطط دون أن نضمن المستقبل.

أن نمشي دون أن نرى الطريق كله.

فلو اشترط الإنسان اليقين قبل أن يعيش…

فلن يعيش.


ربما لا يكون السلام أن تختفي المخاطر.

ربما يكون أن تتوقف عن منح كل احتمال مساحة أكبر من حجمه.

أن يحدث ما يحدث عندما يحدث.

وأن تترك للغد حقه في أن يكون غدًا.

لا تحمله إلى سريرك.

لا تضعه على مائدة اليوم.

لا تجعل جسدك يدفع ثمن شيء لم يقع.

فالغد سيأتي بما فيه.

وعندما يأتي…

سنكون هناك.

أما الآن، فنحن هنا.

وهذه اللحظة، رغم بساطتها، هي الشيء الوحيد الذي نملكه فعلًا.

رسالة الفصل

لا تجعل القلق يصبح عنوانًا لشخصيتك.

هناك فرق بين الاستعداد وبين العيش في حالة طوارئ دائمة.

خذ بالأسباب، خطط، احذر، واعمل، لكن لا تدفع ثمن المستقبل قبل أن يصل.

ليس كل مجهول خطرًا.

وليس كل هدوء مقدمة لخسارة.

وأحيانًا تكون الطمأنينة أن تقول لنفسك:

«لا أعرف ماذا سيحدث، لكنني لن أعيش اليوم كأنه حدث بالفعل.»

تمهيد الفصل القادم

لكن القلق لا يأتي دائمًا من الخوف من المستقبل.

أحيانًا يأتي من شيء أقدم…

من المقارنة.

من ذلك الشعور الصامت بأن الآخرين يتحركون أسرع.

أنهم وصلوا إلى أماكن لم نصل إليها.

أن حياتهم تبدو أكثر اكتمالًا.

وأننا، بطريقة ما، تأخرنا.

سأفتح الكاميرا في الفصل القادم على شاشة صغيرة…

شاشة لا تعرض العالم كما هو، بل تعرض حياة الآخرين وهي تبدو أفضل من حياتنا.

ومن هناك تبدأ واحدة من أكثر الحكايات هدوءًا وخطورة:

الفصل العاشر: حين تصبح حياة الآخرين مقياسًا لحياتنا