كتبت منال ربيعي
في قصر ينام على ظلمة الغدر ويستيقظ على دم الضحايا، حيث لا ينجو قلب ولا يورق عهد، دخلت شهرزاد على شهريار وهي تعرف أن الحياة على طرف لسانها والموت يترصدها عند أول زلة. لم تحمل سيفًا ولا تعاويذ، لم تسحره بجمالها ولا بدموع التوسل، بل أسرت قلبه بما لم يكن يعرفه، بما لم يكن يتوقعه: بالكلمات.
جلست أمامه كأنها تروي للعالم حكايةً لا تنتهي، فأصغى، لا لأنها تتوسل إليه بالنجاة، بل لأنه وجد فيها عالمًا لم يكن يعلمه. تحدثت عن ممالك لم تطأها قدماه، وعن رجال ونساء يشبهونه ويختلفون عنه، عن خيانات وحروب، عن عشقٍ ينتصر في مواضع، ويُهزم في أخرى. كل ليلة كانت تغزل خيوط حكايتها بدقة، تترك بابها مواربًا، لا هي أغلقته ولا سمحت له بالرحيل، فيبقى شهريار مشدودًا، مصلوبًا على عتبة فضوله.
لم يكن يدري متى وقع في شراكها، متى أصبح هو الأسير وهي القيد، متى تحول من الجلاد إلى المستمع المتعطش. صار ليله انتظارًا ونهاره شوقًا، وصارت شهرزاد أكبر من مجرد امرأة تحاول النجاة، أصبحت مرآته، ذاكرته، صوته الضائع وسط هدير الانتقام.
وهكذا، استحالت الليلة إلى ألف، وتحول السيف إلى قلم، وصار شهريار ليس ملكًا يقرر الموت، بل تلميذًا ينهل من بحرها الذي لا ينضب. لم تعد حكاياتها مجرد وسيلة للبقاء، بل كانت رداءً ينسجه الزمن حول قلبه، حتى لم يعد يريد قتلها، بل صار يخشى فراقها.
وفي النهاية، لم تكن شهرزاد مجرد راوية، بل كانت صانعة معجزة… امرأة انتصرت على العنف بالحكاية، وعلى الدم بالكلمة، حتى صار القاتل هو من يطلب منها الحياة.






المزيد
وقبل نهاية الرحلة بقلم سها مراد
حين تتحدث الأخلاق عن أصحابهابقلم علياء العشري
الرحيل المحتوم بقلم إسراء حسن عبدالله