مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

رحلة بلا ملامح (الفصل السادس) الأثقال الخفية بقلم هاني الميهى

رحلة بلا ملامح (الفصل السادس) الأثقال الخفية بقلم هاني الميهى

 

هناك أوزان لا تُقاس بالكيلوغرامات ولا تُرى بالعين، لكنّها تجثم على الروح كجبلٍ صامت، تُبطئ خطواتك، وتكسر أنفاسك، وتجعلك تبتسم بينما داخلك يئنّ. تلك هي الأثقال الخفية التي يحملها كل إنسان، دون أن يفصح عنها أو يجرؤ على الاعتراف بوجودها.

 

قد تراها في نظرة شاردة، في يد ترتجف دون سبب واضح، أو في ضحكة متكلّفة لا تُشبه حقيقتها. الأثقال الخفية لا تحتاج إلى سلاسل لتقيّد صاحبها، يكفي أنها تُلقي على قلبه حجراً ثقيلاً كل صباح، وتهمس في أذنه أنّ العالم أكبر من احتماله.

 

هي ذكريات لم تلتئم، وندوب لم تلتصق بالزمن، ووعود خذلت أصحابها. أحياناً تكون الكلمات غير المنطوقة هي أعتى الأثقال، وأحياناً يكون الصمت نفسه سجنًا لا يرى الآخرون بابه. والمرير في الأمر أنّ هذه الأثقال لا تُحمل على الظهر فتنحني القامة، بل تُخبّأ في الداخل، حيث لا أحد يمدّ يده ليساعدك.

 

لكن، هل يمكننا أن نعيش دون هذه الأثقال؟

ربما لا. فكما يُثبّت ballast السفينة في البحر كي لا تتمايل وتغرق، كذلك تثبّت الأثقال الخفية أرواحنا في مواجهة العواصف. هي جزء من تكويننا، توقظ فينا الصبر، وتمنحنا قدرة على التحمّل لا ندركها إلا حين نصمد بعد الانهيار.

 

ومع ذلك، لا بد أن نتعلّم كيف نضع بعضها جانبًا، لا لننكرها أو ندفنها، بل لنترك لأنفسنا مساحة كي نتنفّس. فالحياة ليست امتحانًا للقوة فقط، بل امتحانٌ للقدرة على الموازنة بين ما يجب أن نحمله وما يجب أن نُفلت منه.

 

قد يكون الخلاص في الاعتراف، أو في مشاركة حملنا مع من يستحق أن يسمع، أو حتى في الصمت المطمئن الذي يقول لنا: ˝لسنا وحدنا مهما أثقلتنا الدروب.˝

 

إنّ الأثقال الخفية تذكّرنا بأنّنا بشر، وأنّ كل قلب يسير في صمت معركة لا يعرفها أحد. والسؤال الملحّ: هل نملك الشجاعة لنعترف بأثقالنا، أم سنظلّ نُخفيها حتى يبتلعنا ثقلها في الظلام؟

 

يتبع الفصل السابع