مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

رائحة أخي

كتبت: ساره صلاح

 

رائحة أخي لا تشبه أي رائحة، أهي رائحة طفل لم يتجاوز الشهرين من عمره؟ أم رائحة أم حنونة؟ أم أن رائحته كرائحة أحضان أبي؟

لم يكن أخي بمنزلة أخ فقط بالنسبة إلي؛ فقد كان ملاكي الحارس: كان معي في شدتي قبل رخائي:يده_ الطيبة برائحة المسك _كانت تمسح أدمعي، تمسح على شعري بحنان ورفق، كان يطبطب على ظهري طبطبة تخبرني أنه سندي، وأنه هنا من أجلي، حينها تتلألأ عيني وأتدلل كطفلة في مهدها، أتدلل إلى أبي قبل أن يكون أخي.

 

وما البيت بدونك يا أخي؟ 

البيت بدونك فارغ بلا رائحة وبلا حياة؛ أنت من تبث الحياة فيه، وأنت من تبعث الفكاهة والألوان الطيبة بأرجاء منزلنا؛ ففي كل مرة رحلت إلي محل رزقك وفقك الله انتظرت عودتك بفارغ الصبر؛ لأشاطرك الحديث، وأفرغ كل مافي جعبتي إليك، انتظرت ضحكاتي معك، ولعبنا سويًا؛ حتى رقصاتنا المضحكة. 

 

تأثرني دوما يا أخي، بطعامك الطيب الذي تصنعه لي، لم أعتبر وجباتك الساخنة التي تعدها لي وجبة فقط، بل اعتبرتها هدية دومًا، كنت تصنعه لي؛ لتسعد روحي، لتخبرني أنني معك، وكنت ترغمني على الطعام أيضًا حينما أشعر بالضيق أو المرض، يأثرني العصائر التي تعدها لي، ثم تطرق بابي وتقول: اشربي هذا العصير، فأبتسم لك حينها ثم أشربه باستمتاع.

 

 

أتذكر أنك ما أغضبتني يومًا إلا وجئت إليّ؛ لتجبرني كما كنت تجبرني دومًا، وأنا حينها أتدلل عليك؛ حتي تصالحني أكثر، وتغدق على بحنانك، حينها تقبل رأسي، ثم تتعالى ضحكاتنا، لا أذكر يومًا أننا نمنا ونحن متخاصمان؛ حتى وإن أتت ليالٍ لم نستطع أن ننظر فيها لأوجه بعضنا؛ إلا أن قلوبنا متصالحة متحابة.

 

تشاركني أحلامي وتشجعني عليها: تتمني أن يكون لي هدفًا وأحققه، أن تراني سعيدة، مليئة بالحيوية. أتذكر اليوم الذي أخبرتك فيه بأن هذا الشيء الذي أفعله يشعرني بوجودي؛ فقلت لي أي شيء يشعرك بوجودك لا تتركيه، وشاطرتني الأفكار حينها. 

 

أنظر إليك بين معاشر الرجال: فلا أرى رجلاً سواك: فأنت رجل كامل بالنسبة إليّ -والكمال لله – وأنت الرجل الذي أتمني بأن يهبني الله رجلٌ في صفاته: رجلاً حنونًا، يفهمني من نظرات عيني، يساندني دومًا، يراعيني ويأخذ بيدي، ويشاركني أحلامي وضحكاتي، رجلاً يرى البيت فارغ بدوني.

 

كان أخي رجلاً قويًا بجوارحه وأقواله: كان لسانه كالبلسم، وقلبه لين كقلوب الطير، ويده لا تمتد على ما ليس له، وعينه لا تنظر إلا لما أحله الله، وقدمه لا تمشي إلا بأرض حلال. 

 

كان الابن البار بأمه: كان يحبها، ولا يحتمل أن يرى حزنها، كان يشاركها في الأعمال إن تسنت له الفرصة. 

 

أخي لم يكن أخًا عاديا أبدًا: أخي كان الأمان في كل وقت شعرت بأنه ليس هناك أمان، أخي كان الحامي لحقوقنا، والمربي الذي يجاهد في بث الخلق بداخلنا. 

 

حماك الله يا أخي، وحفظك من كل سوء، ووهبك رزقًا واسعًا لا ينضب أبدًا، وزينك بالصحة والعفاف، وأطال عمرك في طاعته.