دموع مؤجلة
الكاتب هانى الميهى
من كتاب كل هذه القوة تجعلنى أختنق
الفصل الثالث
ليست كل الدموع خُلقت لتُرى.
بعضها لا يخرج من العين أصلًا، بل يختار مكانًا آخر يعيش فيه. يستقر فى نبرة الصوت حتى تصبح أكثر هدوءًا مما كانت. يختبئ فى المصافحة حتى تفقد دفأها. يجلس فى آخر كل ضحكة، فيترك فيها فراغًا لا يراه أحد.
ولهذا لا يمكن أن نقيس الألم بما سال من الدموع.
فبعض الناس بكى حتى خف قلبه.
وبعضهم لم يبكِ قط…
فظل يحمل داخله ما كان يمكن لدمعة واحدة أن تخففه.
ليس لأن الدموع تُصلح الأشياء.
بل لأنها تمنعها من التحول إلى حجر.
هناك لحظة غريبة يمر بها الإنسان، لا يشعر فيها بالرغبة فى البكاء، ولا بالرغبة فى الكلام، ولا حتى بالرغبة فى الهروب.
يشعر فقط أنه أصبح أثقل.
دون سبب جديد.
وكأن الأيام لم تعد تضيف إليه أحزانًا…
بل تضيف إليه وزنًا.
وهذا الوزن لا تراه المرايا.
لكنه يظهر فى أشياء صغيرة.
فى سرعة الغضب.
فى بطء الفرح.
فى قدرة أقل على الدهشة.
وفى تعب لا يزول بالنوم.
نحن لا نؤجل الدموع لأنها ضعيفة.
نؤجلها لأننا نظن أن هناك ما هو أهم.
موعد يجب أن نلحقه.
شخصًا يجب أن نطمئنه.
عملًا يجب أن ننجزه.
فنقول لأنفسنا:
“ليس الآن.”
لكن المشاعر لا تفهم معنى “ليس الآن”.
إنها تنتظر قليلًا…
ثم تبدأ فى البحث عن مخرج آخر.
ولهذا، لا تتحول الدموع المؤجلة إلى ماء.
تتحول إلى طباع.
قد يصبح الإنسان أكثر قسوة، وهو لا يريد القسوة.
وقد يصبح أكثر صمتًا، وهو فى الحقيقة كان يريد أن يتكلم.
وقد يبتعد عن الناس، ليس لأنه فقد محبتهم…
بل لأنه فقد القدرة على شرح نفسه.
من أغرب ما تفعله الدموع المؤجلة أنها لا تُغيّر نظرتنا إلى العالم فقط.
بل تُغيّر نظرتنا إلى أنفسنا.
نبدأ فى تصديق أننا هكذا بطبيعتنا.
أننا قليلو الكلام.
قليلو الفرح.
قليلو التعلق.
بينما الحقيقة مختلفة.
لسنا كما كنا.
لكننا نسينا متى تغيرنا.
لا يحدث التغيير دائمًا بسبب صدمة كبيرة.
أحيانًا تصنعه خيبات صغيرة، جاءت متتابعة حتى لم يعد القلب يميز بينها.
كلمة لم يجد من يسمعها.
اعتذار لم يصل.
انتظار طال أكثر مما يحتمل.
وعد لم يعد صاحبه.
كلها تبدو أحداثًا عابرة.
لكنها، حين تجتمع، تعيد كتابة الإنسان من الداخل.
دون ضجيج.
ربما لهذا السبب لا يخيفنى الإنسان الذى يبكى.
بل يخيفنى الذى لم يعد يعرف كيف يبكى.
ليس لأن الدموع دليل قوة أو ضعف.
بل لأنها دليل أن القلب ما زال يعرف طريقه إلى نفسه.
أما حين يضيع هذا الطريق…
يبدأ الاختناق الحقيقى.
اختناق لا يسمعه أحد.
لأنه يحدث فى مكان لا تصل إليه الأصوات.
ولعل بعض النجاة لا تبدأ عندما تنتهى الأحزان…
بل عندما يتوقف الإنسان عن تأجيلها.
رسالة الفصل
ليست الدموع المؤجلة هى التى تؤلم…
بل الإنسان الذى يتغير بصمت، بينما يظن أنه ما زال كما كان.
تمهيد الفصل القادم
ليس كل ما ينكسر يُسمع صوته.
فهناك انكسارات لا تُحدث ضجيجًا…
لكنها تغيّر طريقة الإنسان فى رؤية الحياة.
الفصل الرابع: ما تبقى من الطمأنينة.






المزيد
ظلمات الخطايا بقلم إسراء حسن عبدالله
يوم من الأيام بقلم سها مراد
نشيد النصر بقلم عبير عبد المجيد الخبيري