مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

حين يصبح الصبر هروبًا بقلم الكاتب هانى الميهى 

حين يصبح الصبر هروبًا

بقلم الكاتب هانى الميهى 

 

مَنْ يُقَرِّرُ عَنْكَ؟

الفصل الحادى عشر

كيف تقودك أشياء لا تراها إلى حياة لم تخترها

 

 

 

كان يقول للجميع:

 

— أنا صابر.

 

وكان الجميع يمدحونه.

 

«أنت رجل عاقل.»

 

«الصبر جميل.»

 

«الأيام ستصلح كل شيء.»

 

فيبتسم.

 

ويعود إلى بيته.

 

ثم يغلق الباب.

 

ويجلس وحده.

 

كان يعرف شيئًا لا يعرفه الآخرون:

 

هو لم يعد صابرًا.

 

كان خائفًا.

 

لكنه لم يجد كلمة أكثر قبولًا من كلمة «الصبر» ليضعها فوق خوفه.

 

 


 

هناك أشياء كثيرة نتحملها باسم الصبر.

 

عمل يؤذينا.

 

علاقة تستنزفنا.

 

شخص يتجاوز حدودنا.

 

حلم نؤجله.

 

قرار نخاف اتخاذه.

 

ثم نقول:

 

«سأصبر.»

 

لكن الصبر سؤال قبل أن يكون فضيلة:

 

إلى ماذا أصبر؟

 

وهذه الجملة وحدها قد تكشف الكثير.

 

لأن الصبر على طريق له نهاية ليس كالصبر على طريق لا تريد أن تسأل إلى أين يأخذك.

 

 


 

قد تصبر على أزمة مؤقتة.

 

وهذا معنى.

 

قد تمرض الأيام ثم تتعافى.

 

قد يتأخر رزق.

 

قد تتعثر خطة.

 

قد تحتاج أسرة إلى وقت حتى تستقر.

 

الصبر هنا ليس هروبًا.

 

إنه قدرة على ألا تهدم كل شيء لأن النتيجة لم تأتِ بسرعة.

 

لكن هناك نوعًا آخر من الصبر.

 

أن تعرف أن شيئًا يؤذيك…

 

ولا تفعل شيئًا.

 

ثم تسمي عجزك صبرًا.

 

 


 

موظف يعرف أن مديره يستنزفه.

 

كل يوم يعود إلى البيت غاضبًا.

 

يشكو.

 

ثم يذهب فى الصباح نفسه.

 

سأله صديقه:

 

— لماذا لا تبحث عن عمل آخر؟

 

قال:

 

— سأصبر.

 

مر عام.

 

ثم عام آخر.

 

لم يبحث.

 

لم يتعلم مهارة جديدة.

 

لم يطور نفسه.

 

لم يتحدث مع الإدارة.

 

لم يضع خطة.

 

فقط كان ينتظر أن يتغير المدير.

 

وهنا يصبح السؤال واضحًا:

 

هل كان صابرًا فعلًا، أم كان ينتظر أن تنقذه الظروف؟

 

 


 

الصبر لا يعني أن تجلس أمام المشكلة وتنتظر أن تشعر بالشفقة عليك.

 

الصبر قد يكون حركة هادئة.

 

أن تتعلم.

 

أن تخطط.

 

أن تدخر.

 

أن تستشير.

 

أن تصلح.

 

أن تضع حدودًا.

 

أن تبدأ من جديد.

 

الصبر ليس غياب الفعل.

 

أحيانًا يكون الصبر هو أن تفعل ما تستطيع كل يوم، دون أن تطالب الحياة بأن تعطيك النتيجة فورًا.

 

 


 

وقد يختلط الصبر بالخوف لأن كليهما يقول:

 

«لا تتحرك الآن.»

 

لكن الفرق أن الصبر يقول:

 

«انتظر لأن هناك معنى للانتظار.»

 

أما الخوف فيقول:

 

«لا تتحرك لأننى لا أعرف ماذا سيحدث.»

 

الجملة متشابهة.

 

لكن الحياة التى تنتج عنها مختلفة تمامًا.

 

 


 

امرأة تعيش علاقة انتهت من الداخل منذ سنوات.

 

لا يوجد عنف.

 

ولا خيانة.

 

ولا سبب درامى يصلح للحكايات.

 

فقط انتهى الحوار.

 

انتهى القرب.

 

انتهى الشعور بأنها مرئية.

 

كل شيء أصبح أداءً يوميًا.

 

وحين تفكر فى المواجهة، تقول:

 

«سأصبر من أجل البيت.»

 

قد يكون هذا موقفًا مسؤولًا.

 

وقد يكون كذلك.

 

لكن ماذا لو كان «من أجل البيت» مجرد غطاء لخوفها من البداية؟

 

ماذا لو كانت تخاف أن تصبح وحدها؟

 

ماذا لو كانت تخاف كلام الناس؟

 

ماذا لو كانت تخاف أن تكتشف أنها أضاعت سنوات؟

 

هنا لا يعود السؤال عن الصبر.

 

بل عن الحقيقة التى نخشى مواجهتها.

 

 


 

وفى الإيمان، الصبر ليس تصريحًا مفتوحًا للبقاء فى كل شيء.

 

الله لم يطلب من الإنسان أن يظلم نفسه حتى يرضى الناس.

 

ولم يجعل التحمل قيمة مستقلة عن الحكمة.

 

هناك صبر على الطاعة.

 

وصبر عن الخطأ.

 

وصبر على البلاء.

 

لكن هذا لا يعني أن نستخدم كلمة «الصبر» لتعطيل العقل، أو ترك الأسباب، أو قبول ما نستطيع تغييره ثم نشكو منه سنوات.

 

الرضا بالقضاء لا يعني الرضا بالظلم.

 

والتوكل لا يعني ترك السعى.

 

والصبر لا يعني أن تتخلى عن مسؤوليتك تجاه نفسك.

 

 


 

وأحيانًا تكون المشكلة أننا نريد من الصبر أن يقوم بالمهمة التى يجب أن تقوم بها الشجاعة.

 

نريد أن ننتظر بدل أن نواجه.

 

أن نسكت بدل أن نتحدث.

 

أن نتحمل بدل أن نضع حدًا.

 

أن نؤجل بدل أن نقرر.

 

ثم نشعر بالراحة لأننا أطلقنا على كل ذلك اسمًا جميلًا.

 

الصبر.

 

 


 

هناك شخص يعرف أنه يحتاج إلى الاعتذار.

 

لكنه يقول:

 

«سأصبر حتى يهدأ.»

 

يمر الوقت.

 

ويكبر الجرح.

 

وهناك من يعرف أنه يحتاج إلى الاعتذار له.

 

لكنه يقول:

 

«سأصبر.»

 

ثم يتحول الصمت إلى قطيعة.

 

وهناك من يعرف أن عليه أن يتعلم شيئًا جديدًا.

 

لكنه يقول:

 

«سأنتظر الوقت المناسب.»

 

ويمر العمر.

 

ليس كل انتظار صبرًا.

 

بعض الانتظار مجرد تأجيل.

 

 


 

والتأجيل له موهبة غريبة.

 

يجعلك تشعر أنك ما زلت تفعل شيئًا.

 

«سأفعل.»

 

«سأبدأ.»

 

«سأتحدث.»

 

«سأغير.»

 

كلمات مستقبلية كثيرة…

 

وحياة حاضرة لا تتغير.

 

حتى يصبح الإنسان خبيرًا فى وصف الحياة التى يريدها، دون أن يعيشها.

 

 


 

وربما يكون أكثر ما نحتاج إليه هو أن نفرق بين الصبر الذى يبنى والصبر الذى يستهلك.

 

الصبر الذى يبنى يجعلك أكثر نضجًا.

 

أما الصبر الذى يستهلكك، فيجعلك أقل قدرة على الحياة.

 

الصبر الذى يبنى يعطيك وقتًا.

 

أما الذى يستهلكك فيأخذ عمرك.

 

الصبر الذى يبنى يصاحبه عمل.

 

أما الذى يستهلكك فيصاحبه انتظار.

 

الصبر الذى يبنى له أفق.

 

أما الذى يستهلكك فلا يملك إلا كلمة:

 

«غدًا.»

 

 


 

كم مرة قلت:

 

«بعد أن تتحسن الظروف»؟

 

لكن الظروف لا تتحسن وحدها دائمًا.

 

أحيانًا تحتاج أنت إلى أن تتحرك حتى تبدأ الظروف فى التغير.

 

لا تنتظر أن تصبح شجاعًا بالكامل.

 

تحرك بخوفك.

 

لا تنتظر أن تعرف كل الإجابات.

 

ابدأ بالسؤال الصحيح.

 

لا تنتظر أن تختفى كل المخاطر.

 

تعلم كيف تديرها.

 

فالحياة لا تعطيك دائمًا يقينًا قبل الخطوة.

 

أحيانًا يأتي اليقين بعدها.

 

 


 

وفى العمل، الإدارة الجيدة تعرف ذلك.

 

لا تستطيع أن تنتظر السوق حتى يصبح مثاليًا.

 

ولا الفريق حتى يصبح كاملًا.

 

ولا العميل حتى يصبح سهلًا.

 

ولا الظروف حتى تصبح بلا مخاطر.

 

تدرس.

 

تقرر.

 

تجرب.

 

تقيس.

 

ثم تعدل.

 

هذه ليست عجلة.

 

هذه إدارة للمجهول.

 

والإنسان فى حياته يحتاج أحيانًا إلى الشيء نفسه.

 

 


 

قد يقول أحدهم:

 

«أنا صابر على نفسى.»

 

لكن ماذا يعني؟

 

إذا كنت قد أخطأت، فالصبر على نفسك يعني أن تمنحها فرصة للتعلم.

 

لا أن تستخدم الرحمة مع نفسك لتبرير تكرار الخطأ.

 

إذا فشلت، اصبر على عملية التعلم.

 

إذا تأخرت، لا تحتقر نفسك.

 

لكن لا تجعل التأخر هوية.

 

إذا سقطت، امنح نفسك وقتًا للنهوض.

 

لكن لا تبنِ بيتًا داخل السقوط.

 

 


 

وأحيانًا يكون الإنسان قاسيًا على نفسه باسم الصبر.

 

يقول:

 

«يجب أن أتحمل.»

 

حتى ينهار.

 

ثم يشعر بالذنب لأنه انهار.

 

كأن الإنسان آلة.

 

وهذا خطأ آخر.

 

القوة ليست أن تتحمل كل شيء.

 

القوة أن تعرف ما تستطيع حمله، وما تحتاج إلى وضعه.

 

حتى الجبال لا يحملها الإنسان على كتفيه لمجرد إثبات أنه قوي.

 

 


 

قد يكون القرار الذى تؤجله مؤلمًا.

 

وقد يكون اتخاذه أصعب من البقاء.

 

لكن هناك قرارات لا تصبح أسهل مع الوقت.

 

تصبح فقط أكثر تكلفة.

 

المشكلة التى كان يمكن حلها بكلمة، تصبح أزمة.

 

الحديث الذى كان يمكن أن ينقذ علاقة، يصبح مواجهة.

 

المشروع الذى كان يحتاج إلى بداية صغيرة، يصبح حلمًا مؤجلًا.

 

والحد الذى كان يمكن وضعه منذ البداية، يصبح صراعًا طويلًا.

 

ليس كل تأخير حكمة.

 

أحيانًا يكون التأخير هو الفاتورة التى ندفعها لأننا خفنا من القرار.

 

 


 

ولذلك اسأل نفسك:

 

ما الشيء الذى أقول إننى صابر عليه، بينما أنا فى الحقيقة أخاف أن أقرر بشأنه؟

 

لا تجب بسرعة.

 

فالسؤال ليس بسيطًا.

 

قد يكون اسمًا.

 

قد يكون عملًا.

 

قد يكون عادة.

 

قد يكون علاقة.

 

قد يكون حلمًا.

 

وقد يكون شيئًا داخلك أنت.

 

 


 

وربما تكون أصعب مواجهة حين تكتشف أنك كنت تنتظر شخصًا آخر ليقرر عنك.

 

تنتظر المدير أن يفهم.

 

والشريك أن يتغير.

 

والأهل أن يوافقوا.

 

والظروف أن تتحسن.

 

والوقت أن يصبح مناسبًا.

 

والحياة أن تمنحك علامة واضحة.

 

لكن أحيانًا لا تأتي العلامة.

 

لأن المطلوب منك ليس الانتظار.

 

بل الاختيار.

 

 


 

هناك لحظة فى حياة كل إنسان تقريبًا يصل فيها إلى طريقين.

 

ليس أحدهما سهلًا.

 

لكن أحدهما صادق.

 

والآخر مريح فقط.

 

فى تلك اللحظة لا يحتاج الإنسان إلى شجاعة خارقة.

 

يحتاج إلى صدق.

 

أن يقول:

 

«أنا أعرف ما يجب أن أفعله، لكننى خائف.»

 

هذه الجملة أكثر صدقًا من:

 

«سأصبر.»

 

لأن الاعتراف بالخوف يفتح الباب أمام التعامل معه.

 

أما إخفاؤه خلف كلمة جميلة، فيتركه يدير حياتك من الخلف.

 

 


 

وقد يكون الصبر أحيانًا أن تبقى.

 

وقد يكون أحيانًا أن ترحل.

 

قد يكون أن تسكت.

 

وقد يكون أن تتكلم.

 

قد يكون أن تنتظر.

 

وقد يكون أن تبدأ.

 

لذلك لا تسأل:

 

«هل الصبر هو البقاء؟»

 

اسأل:

 

«ما الذى يطلبه الموقف منى الآن؟»

 

فهناك مواقف تحتاج إلى صبر.

 

وأخرى تحتاج إلى قرار.

 

والحكمة أن تعرف الفرق.

 

 


 

فى النهاية…

 

لا تجعل الصبر مكانًا تختبئ فيه من الحياة.

 

اصبر حين يكون الصبر عبادة.

 

واصبر حين يكون الطريق يحتاج إلى وقت.

 

واصبر حين تكون النتيجة تحتاج إلى نضج.

 

لكن إذا كنت تستخدم الصبر حتى لا تواجه ما تعرفه…

 

فتوقف.

 

قد لا تكون المشكلة أن الله يؤخر عنك الإجابة.

 

قد تكون أنت الذى يؤخر عن نفسك القرار.

 

وقد لا يكون الباب مغلقًا.

 

قد تكون أنت واقفًا أمامه منذ سنوات، تقول:

 

«سأنتظر.»

 

بينما الحياة تمضى.

 

والعمر لا يعرف معنى الانتظار.

 

رسالة الفصل

 

الصبر ليس أن تؤجل القرار إلى ما لا نهاية؛ الصبر أن تعرف متى تنتظر، ومتى تتحرك، ومتى يكون الانتظار حكمة، ومتى يصبح خوفًا يرتدى ثوب الفضيلة.

 

تمهيد الفصل الثانى عشر

 

وحين يكتشف الإنسان أن بعض ما سماه صبرًا كان تأجيلًا، يبدأ فى النظر إلى القرارات التى تركها معلقة.

 

أشياء كان يجب أن تنتهى.

 

وأشياء كان يجب أن تبدأ.

 

وأبواب تركها نصف مفتوحة سنوات طويلة.

 

ومع الوقت، يحدث شيء غريب:

 

القرار الذى تؤجله طويلًا يبدأ فى اتخاذ القرار عنك.

 

فالوقت يختار.

 

والظروف تختار.

 

والآخرون يختارون.

 

والفرص ترحل.

 

والإنسان الذى ظن أنه «لم يقرر بعد» يكتشف فجأة أن حياته قررت بالنيابة عنه.

 

ومن هنا يبدأ الفصل الثانى عشر:

 

القرار الذى تأخر حتى أصبح قدرًا