مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

حين يبتسم القدر بقلم هانى الميهى 

حين يبتسم القدر بقلم هانى الميهى

 

يمضي الإنسان في دروب الحياة مثقلاً بما حمل، يتعثّر حينًا ويقوم حينًا آخر، يظنّ أنّه يعرف الطريق وأنّ خطواته تقوده إلى ما أراد، ثم يكتشف فجأة أنّه كان يسير في منعطفاتٍ لم يخترها، وأنّ الأقدار سبقت خطواته لتصوغ له مسارًا آخر. كثيرًا ما تداهمه الخيبات، ويظنّ أنّ العمر قد أدار له ظهره، فإذا به يفاجأ بابتسامة القدر في لحظةٍ لم يكن يحسب لها حسابًا.

 

إنّ القدر حين يبتسم، لا يعلن قدومه بصوتٍ صاخب، ولا يطرق الأبواب بعنف، بل يتسلّل إلى القلب بهدوءٍ رقيق، كنسمةٍ باردةٍ في قيظ الصيف، أو كأشعة فجرٍ تتسلّل إلى غرفةٍ غمرها الليل طويلًا. عندها يشعر المرء أنّ كلّ دمعةٍ سالت كانت طريقًا إلى هذا الضوء، وأنّ كلّ وجعٍ لم يكن إلا خطوةً نحو اكتمال الفرح.

 

يبتسم القدر ليذكّرنا أنّ الخسارات لم تكن عبثًا، بل كانت إعدادًا للنفس كي تستحقّ العطاء الأكبر. فما قيمة الفرح إن لم يسبقه ألم؟ وما معنى النور إن لم يسبقه ظلام؟ إنّ في كلّ انكسارٍ معنى مخبوءًا لا يُفصح عنه إلا حين يحين وقت التعويض، فتتجلّى الحكمة التي لم نفهمها في لحظات المرارة، وتنكشف الأسرار التي ظلّت مستترة خلف ستار الزمن.

 

وحين يبتسم القدر، يتغيّر كلّ شيء: يتبدّل الحزن إلى عزيمة، واليأس إلى يقين، والانتظار الطويل إلى فرحةٍ تفوق الخيال. كأنّ القلب كان في امتحانٍ عسير، فإذا بالنجاح يأتي مصحوبًا بجائزةٍ لم تخطر على البال. إنها لحظة يختلط فيها البكاء بالضحك، وتضيع الكلمات في زحمة المشاعر، لأنّ اللغة مهما بلغت من الفصاحة تعجز عن وصف هبة القدر حين تشرق فجأة.

 

ولعلّ أجمل ما في ابتسامة القدر أنّها لا تأتي لمن استسلم، بل لمن واصل السير رغم الجراح. إنها تأتي لمن ظلّ يؤمن أنّ الغد يحمل سرًّا أجمل، ولمن تمسّك بخيط الأمل الرفيع حين انقطع كلّ خيط. وهؤلاء وحدهم هم من يفهمون أنّ الصبر ليس ضعفًا، بل قوّة، وأنّ الرضا ليس استسلامًا، بل إيمان عميق بأنّ ما كتبه الله لا يكون إلا خيرًا.

 

وفي تلك اللحظة النادرة، حين تنكشف الحكمة وتُرفع الغشاوة، يعلم المرء أنّه لم يكن وحيدًا يومًا، وأنّ كلّ خطوةٍ متعثّرة، وكلّ دمعةٍ حارقة، كانت مرسومة بعنايةٍ إلهية لتقوده إلى هذه الابتسامة الكبرى. عندها يبتسم القلب قبل الوجه، وتغدو الأرض أوسع، والسماء أقرب، والحياة – بكلّ تناقضاتها – أجمل.