حين أطلق النور على ظله بقلم أمجد حسن الحاج
في البدء، كان الحزنُ سيّدَ اللحظة، يغزلُ من السكونِ خيوطَ وجعٍ لا يُرى، يمدُّ فوق الروح ستارًا من غبارِ الندم، كأنَّ الذاكرةَ قبرٌ مفتوحٌ في صدرِ الوقت. يقفُ الرجلُ في مواجهةِ ظلّه، كمنْ يحاكمُ نفسه أمامَ مرآةٍ لا تعرفُ الرحمة. يرفعُ يدهُ المرتجفةَ نحوَ الفراغ، كأنَّهُ يريدُ أن يُخرسَ الصدى الذي يسكنُ صدره منذ زمنٍ بعيد. كلُّ ارتعاشةٍ في جسدهِ كانتْ نداءَ قلبٍ متعب، وكلُّ رمشةٍ من عينيه كانتْ وداعًا قديمًا يتكرّرُ بلا نهاية. كانَ الظلُّ يرتعشُ كخطيئةٍ تُريدُ أن تتطهّر، والليلُ يطوي أنفاسَه في انتظارِ إطلاقِ الرصاصةِ الأولى.
لكنْ، في منتصفِ الحكاية، انفتحَ وميضُ الوعي كزهرةٍ في رمادٍ قديم. أدركَ الرجلُ أنَّ الظلَّ لم يكنْ عدوًّا، بل كانَ مرآةَ قلبِه العميقة، الوجهَ الآخرَ للنورِ الذي تاهَ عنه. فهمَ أنّهُ لم يكنْ يقفُ ضدَّ أحدٍ، بل ضدَّ ذاتهِ الهاربةِ منه. سقطَ السلاحُ من يده، وسقطتْ معهُ كلُّ الأوهامِ التي طالما أثقلتْ روحه. بدأ يسمعُ صوتهُ الحقيقي، لا ذاكَ الذي يتكلّمُ خوفًا، بل الذي يُنصتُ حبًّا. تهاوتْ الأسوارُ بينهُ وبينَ نفسه، فصارَ الفهمُ عناقًا صامتًا بينَ القلبِ والعقل، وصارَ الغفرانُ صلاةً لا تُقالُ بالكلمات.
وفي ختامِ الرحلة، ابتسمَ الرجلُ. لا لأنَّ الحزنَ انتهى، بل لأنَّهُ تحوّلَ إلى معنى. سارَ في طريقٍ تُضيئهُ الظلالُ لا تُعتمه، فكلُّ ظلامٍ صارَ دليلًا على وجودِ نورٍ قريب. صارَ الخطأُ درسًا، والجرحُ بابًا، والظلُّ رفيقًا لا خصمًا. مدَّ يدهُ نحوَ الأفقِ، فامتدَّ أمامهُ ضوءٌ جديد، يهمسُ له: “لقد انتصرتَ، لا لأنكَ قاتلت، بل لأنكَ سامحت.”
وهكذا، تحوّلَ المشهدُ من رصاصةٍ تُهدِّدُ الوجود، إلى سلامٍ يزرعُ الحياة في قلبِه. فها هو يبتسمُ من أعماقِه، وقد أدركَ أخيرًا أنّ أجملَ النهايات، تلكَ التي يولدُ فيها الإنسانُ من رمادِ نفسه، كما يُولدُ الصباحُ من قلبِ الليل.






المزيد
ارتباك بقلم دينا مصطفي محمد
حين تتشقق المرايا داخلنا ونكتشف أننا نحمل أكثر من وجه ولا نعرف أيّهم نحن حقًا بقلم هاجر أحمد عبد المقتدر
الفصل الخامس عشر: النهاية – متأخر… لكن ليس انتهى بقلم الكاتب هانى الميهى