مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

حياة

Img 20241105 Wa0040

كتبت منال ربيعي

مزعج أن تسترجع نقاط التحوّل المعدودة في حياتك، فتتخيل عابثًا ما كان بإمكانه أن يحدث لو إختلف الاختيار في منعطفات الحياة، ما أصبحت عليه الآن لم يكن ليحدث، كنت ستصبح إنسان آخر بتفكير آخر وبميول أخرى، أؤمن أن أي حدثٍ مررت به قد ساهم حتمًا فيما أنا عليه الآن، أؤمن أن كل موقف قد أثر فيّ، وكل الأشياء المفقودة والمشاعر المهدرة والآمال الضائعة والأحلام الخائبة وما شابههم قادني بعبثية مرتبة لما أنا عليه الآن!

أؤمن أنني مجموع الحطام المتبقي من نفسي السابقة، والأمنيات المتبقية من نفسي الحالية، أؤمن أنني هنا، وأن هنا هو ما سأكون عليه فالمستقبل، وأن ما سأكون عليه هو نتاج ما أفعله الآن، وبرغم ذلك لا أدري ماذا عليّ أن أفعل، وأنني فقدت السيطرة على نفسي، وفقدت الرغبة في استعادتها. فما عدنا كما كنّا، ولم تستمر رغبتنا في الحياة على قيد الحياة لأكثر من نصف عمر، تارة نتخلى عن أشياء كنّا نعتقد أن نموت بدونها، وتارة نتخلى عن أرواحنا، ندرك الحياة فنزهدها، ندرك التفاصيل ونتوه فيها، ندرك الآلام، وأن لكل شيء ثمن، وأن الحياة ليست بالبراءة التي كنا نعتقدها منذ الصغر، أدركنا أن الشرّ دائمًا الرابح، وأن الأحلام الوردية محض أحلام وردية غير قابلة للتحقيق، أدركنا أن مبادئنا قد تنهار حين تقع في اختبار، أدركنا أن الحياة تدفعنا للتصرف وفقًا لما وفّر لنا، ليس وفقًا لما تشتهي أنفسنا، أدركنا أن الكثير من الأوجاع أمر طبيعي، وأن إنتظار السعادة أمر ساذج، وأن البقاء للاقوى، للأصلح، ليس للضعيف البريء الحالم، أدركنا أن لا شيء يعلو فوق المصلحة، أن العالم منذ قديم الأزل مكان غير عادل، وأن شرور الإنسان تتغير وفقًا للعصر لتواكبه ولا تختفي، وتطور التكنولوجيا وطفرات منظمات الحقوق ليست إلا مسكن ليس بإمكانه اقتلاع القبح والسوء المتفشي بوجودنا نحن البشر هنا على هذه الأرض، أدركنا أن كل هذه المحاولات جزافًا، لن تغير من شيء، فلو كان هناك خيرًا لحدث بعد محاولات الأقدمين…..