كتبت: هاجر حسن
في كوكب يعج بالظلام، وأرض أفسد نقاءها بنو آدم، انقسم البشر إلى قسمين: قسم يجاهد من أجل الآخرة، وقسم يغرق في بحر لهو الدنيا.
هناك في غزة، حيث يئن الحجر من وجع الأرض، وتنتظر الأشجار زافرتها لتتحدث، يعيش قسمٌ من البشر لا ينظر إلا للآخرة، لا تلهيه الدنيا، ولا يأبه لأمرها. هم أُناس يقاومون من أجل الحرية، يعطون أرواحهم فداءً لوطنهم، وكأن قلوبهم تردد: “إنما العيش عيش الآخرة.”
في تلك الأراضي المحاصرة في غزة كان خالد نبهان، الملقب بـ”روح الروح”، مثالًا ناصعًا لأولئك البشر.
رجل يشع من وجهه نور الإيمان، قلبه ينبض بالسلام، ولسانه ينسج سمفونية عذبة من حسن القول. كان كأنه شعاع نور يخترق عتمة الحرب، يحمل بين تفاصيله كل معاني الصبر والإيمان.
فلم يكن الشيخ خالد مجرد رجل مؤمن وصبور، بل كان كتابًا ملهمًا مليئًا بالحكمة والدروس. كان بلسمًا لجراح النفوس، وملاذًا للأطفال الذين أنهكتهم الوحدة. إذا أردت أن ترى صورة المسلم الحق، فانظر إلى الشيخ خالد: بارٌ بأمه التي حفرت تجاعيدها قسوة السنين ودخان الحرب. جدٌ قريب من أحفاده، وأبٌ حنون على أولاده بل على أطفال غزة أجمع.
ومع ذلك، لم يكن العدوان الظالم ليترك شيئًا دون أن يعذبه. في لحظة، انتزع منه أغلى الأحفاد إلى قلبه، ريم، التي لقبها “بروح الروح”. ودعها بصبر وآسى، في مشهد أبكى العالم أجمع.
رغم ما رآه من فقد، بقي خالد صامدًا، كأن صبره جدارٌ صلب لا يتزعزع أمام الرياح العاتية. كان يواسي المكلومين، ويزرع الأمل في النفوس التي أرهقتها الحرب. تتناثر من أفعاله وأقواله دروس تضيء النفوس.
حتى جاء يوم ملؤه الضباب، وساد فيه صمت الحمام، غدر به العدوان وسقط شهيدًا، وكأن روحه كانت تبحث عن طيف “روح الروح” لتلتقي بها من جديد.
ودع العالم لتبقى آخر كلماته ووصيته منقوشة في الأذهان، فقال: “أعظم مكسب في الحياة الدنيا قلب سليم وصدر منشرح مطمئن لأقدار الله راضٍ بحكمته، ولو كنت حافيًا، جائعًا، مشردًا، بشرطين: ألا تخوض في ظلم، ولا تتلوث بالحرام، وعامل الناس بسلامة الصدر.”
بموته لم يخفت النور، بل ظل اسمه شعاعًا يضيء ظُلمة دروب المحاصرين. لتظل حكايته تنتقل من قلب إلى قلب، لتثبت أن في غزة أناس لا تهزمهم شرارة الحروب.
لقد تلاقت روح خالد مع “روح الروح”، وتركت درسًا خالدًا وعبرًا لا تموت، سيظل يتعلم منها مهما مضى الزمن.






المزيد
اليوم السادس دور النشر… حين تتحول الثقافة إلى مسؤولية بقلم هاني الميهي
اظهر مظاهر فرحتك بقلم سها مراد
عودي الي بقلم ملك برهان