كتبت: سحرالحاج
في إحدي ليالي الشتاء الباردة وقفت “ورد” تطرق الباب بشدة وكأنها تخاف شيء خلفها، فتح الباب بعد مدة لترى أمامها أختها سهى متثائبة لم تلبس أن دلفت مسرعة، متقطعة الانفاس تلفتت يمين ويسار لتقول بعدها:
ـ هل خلد الكل للنوم؟
ـ نعم
نطقت “سهى” بعد أن تقلبها النعاس:
ـ لماذا تأخرتي كل تلك المدة؟ أبي غاضب جدًا لن تهربي منه في الصباح غدًا، تنفست ورد براحة وقالت بحذرًا:
ـ كنت مع صديقتي “مها” لقد تلقت دعوة للعشاء عند إحدی قريباتها وأخذتني معها، ولكن عند عودتنا رأيت سيارة سوداء تراقب منزلنا.
وقبل أن أدخل للبيت رأيت شخصًا ينزل منها متجها نحوي الحمدلله دلفت في الوقت المناسب.
ظلت سهى واقفه مكانها تستمع لكلام أختها؛ حتی أصابها الذعر هي الأخرى، وبعد وقت قالت:
ـ أنا أيضًا رأيتها بالأمس من نافذة الغرفة.
لم تنتظر طويلاً أسرعت في الصعود لغرفتهما، وكل واحدة منهن تسأل نفسها من ذلك الشخص؟ وماذا يريد؟ وفي نفس تلك الاثناء كان هناك جار ينظر من نافذته لتلك السيارة التي تراقب منزل “حكمت”.
داخل إحدى البنايات الضخمة وسط المدنية جلس السيد منصور النمر في مكتبه الكبير لتضغط على زر عند طاولة مكتبه وبعدها طرق باب المكتب؛ وتدخل السكرتيرة “نورا” لتلقي بملفات لسيدها، ولكنها تفاجأت به يقول لها بغضب:
ـ لم أطلب ملفات اليوم هناك أمرًا آخر يجب أن نقوم به علينا جمع كل الموظفين في اجتماع عاجل هناك أمرا خطير يهدد الشركة.
لم تفهم “نورا” ماذا يريد مديرها بهذا الاجتماع؟ فقد نفذت الأوامر فحسب اجتمع كل الموظفين داخل مكتب الاجتماعات يترأسهم منصور النمر؛ كان يدقق النظر بعينيه التي تشبه ثمرة البندق.
كان الغضب والتوتر باديًا علی وجهه؛ لكن رغم ذلك لم يخفي وسامته الظاهرة وأخيرًا قال:
ـ لم يقبل السيد “عثمان” مشروعنا رفض أن يصمم هذا المشروع، وكان هذا أخر أمل لنا لنسترجع مكانة شركتنا من جديد والآن علي إيجاد حل لهذه المشكلة من سيقبل تنفيذ المشروع! وعلى أي أرض سينفذ؟
كان الصمت يعم المكان لم يستطيع أحد التكلم أخيرًا قررت نورا التحدث قالت بعد أن أخذت نفسا طويل:
ـ أعتقد أن هناك من يستطيع استلام المشروع وتنفيذه.
نظر لها منصور وبكل انتباه أنصت لها أكملت قائلة بعد أن شعرت بأهمية الموضوع عنده:
ـ هناك طلب من شركة صغيرة لهندسة البناء بعثت بطلب تنفيذ مشاريع في أراضي تقع خلف المرتفعات العالية هي غالبًا أراضي لمالك الشركة؛ ولكن لم أتحقق من هويته بعد.
صمت منصور لبعض الوقت ليقول بعدها:
ـ أرجو أن ترتبي مقابلة معهم لنرى ما لديهم.
طيلت الجلسة لم يتكلم “أحمد” صديق منصور المقرب وكأن هذا الاجتماع لم يعجبه تكلم قائلًا بعد أن غلبه الصمت:
ـ ألم نسأل أنفسنا لماذا رفض “عثمان شاكر” المشروع؟ هناك سبب علينا معرفته، لطالما كان يحلم بتصميم أضخم فندق في المدنية؛ وله من المؤهلات ما تتيحه شركته الخاصة البدء فورا أعتقد أن عمك هو من منعه.
وقف منصور منتصبًا فجأة، وانطلق خارج المكتب ليلحق به أحمد من خلفه دلفا للمكتب معًا وكل تلك التساؤلات تدور في رأسه سأله بتعجب:
ـ كيف يعرف عمي “مؤنس” بشأن المشروع وما علاقته مع عثمان هناك سبب خفي؟
قال أحمد وهو يزن كل كلمة نطق بها:
ـ أعتقد أنه خلافهم القديم، ولم يرد عمك أن تكون لعبة في يد عثمان، فشخص مثله لا يهتم لمشاعر إخوته كيف له أن يكون مصدر ثقة عند غيره؟
هذا ما يدور في رأسي أنا أرى أن نسال عمك مؤنس إذا كان له علاقة بمنع عثمان، لكن منصور كان يفكر بشيء أخر قال بعد تفكير طويل:
ـ لا أعتقد عمي هو السبب، عثمان يطمح أن يكون لوحده فتعلم نفوذه وغروره؛ لا يسمح له بمشاركة شركة علی وشك الخسارة لا شأن لنا به؛ فالحمدلله أننا تخلصنا منه قبل أن نصبح شركاء معه لننتظر، هذا الذي يريد استلام المشروع وبنائه.
قال أحمد بتردد:
ـ كيف حال والدتك؟ هل ستعود قريبًا هي وأختك كوثر؟
فهم منصور مغزى أحمد ضحك قائلاً:
ـ لا تخلط الحديث أعرف أنك تسأل عن كوثر وحدها، لم يتبقى لها؛ إلا أمتحانات قليلة، عندما يقترب موعد سفرهم سأخبرك.
ضحك أحمد من كلام صديقه:
ـ لا بأس يا رجل فقد أردت الاطمئنان عليهم.
بعد لحظات طرقت نورا الباب أتاها صوت منصور بأن تدخل أخبرته، أنها تواصلت مع صاحب الطلب، وتذهب لمقابلة وبعدها سترتب موعد مقابلة قريبًا أوما لها منصور برأسه وبعدها غادرت المكتب.
كان أحمد ينظر نورا حتى غادرت وبعدها قفز واقفا يمازح صديقه:
ـ لدي فكرة لماذا لا تتزوج نورا؟ يناسبك جدًا أن تكون سكرتيرتك زوجتك وانفجر ضاحكًا، لم يضحك منصور لصديقه كان يمقت مزاحه الغلظ دومًا.
أحمد يحب المزاح؛ ولكنه شخصا طيبًا ومسالمًا ويحب صديقه وكأنه أخ له، ودائمًا ما كان يقف معه في الأوقات الصعبة؛ فهما صديقين منذ نعومة أظافرهما كبرا معنا.
وكأنهم أخوة حقيقة ووالدتهما كانا يتجاوران في السكن في إحدى قرى الريف.
كان والد أحمد يملك مزرعة كبيرة ويقوم هو برعايتها وتساعده زوجته السيدة فاطمة؛ عندما تقطف ثمار الاشجار تأخذ منها ما يكفي لتعطي جارتها منها؛ حتى صارتا صديقتين منذ ذلك الحين.
أفاقت ورد من نومها على أصوات عائلتها كان والداها السيد “حكمت توفيق” في العقد الخامس من عمره يتحدث مع أمها نهى السيدة صاحبة الابتسامة الجميلة كان يسألها بصوتا عالي أراد لورد أن تسمع قال:
ـ هكذا هن بنات السيد حكمت، يتأخرن في العودة للمنزل وبعد ذلك نرى صورة لواحدة منهن في الصحف اليومية.
حزن السيد حكمت على هذا جدًا، أفاقت ورد مسرعة ونزلت تهرول في درجات السلم؛ لتقف أمام والدها وتقبله علی رأسه وتقبل أمها أيضًا.
لكن كان والداها غاضب جدًا منها، لم يتفوه بكلمة أخبرته ورد أنها لم تكن تنوي الذهاب للعشاء مع صديقتها.
ولكنها أصرت عليها لتذهب وبعد إنتهاء العشاء أوصلتها للبيت ولم تكن تعلم أن هناك صحافة في هذا الحفل المسائي، لم يكن هذا كل شيء.
بل رأى والداها صورة شخص لم يتوقعه السيد عثمان شاكر ماذا يفعل في نفس المكان؟
أكتفی بأن يجلس على طاولة الإفطار أحضرت سهى بقية الصحون، وجلسوا يتناولون فطورهم،
ليقطع صوت الباب هدوئهم قام “يوسف” صاحب العشرين عامًا أصغر أبناءه ليفتح للطارق الباب، كان هذا جارهم العجوز “محمود” صاحب السبعين عاما نطق قائلا ل يوسف:
ـ هل أباك في البيت؟
أوما يوسف برأسه؛ ثم دلف ليخبر والده بأن العم محمود يريد رؤيتك نهض السيد حكمت توفيق.
تبادر السلام معه أخبره العجوز الطيب قائلاً:
ـ هناك سيارة تراقب منزلك ولم أعلم من هو؟ عليك أن تكون حذرًا أعتقد أنه لا ينوى علی خير؛ والا ما كان يراقب منزلك ليلاً.
تغيرت ملامح السيد حكمت توفيق وشرد قليلاً وبعدها قال:
ـ شكرًا لك سيدي، وسأكون حريصًا أن لا يصيب أبنائي مكروه، ودعه العجوز محمود وحكمت في رأسه أسئلة يجب حلها من هو الذي يراقبه؟ وما علاقة عثمان بعائلة مها صديقة ورد؟
عاد حكمت من الخارج، وتعابير وجهه متغيرة سألته نهى:
ـ ماذا يريد السيد محمود؟ لا أظن يحمل خبرًا سار.
قال بعد برهة من الزمن:
ـ هناك سيارة تراقب المنزل في الليل والسيد محمود شاهدها أكثر من مرة؛ ولهذا جاء ليخبرني بأمره.
نظرت ورد وسهى لبعضهما وقالت:
ـ نحن أيضًا رأيناها بالأمس، وترجل منها شخص، وكان متجها نحو منزلنا؛ لكنه عاد إلى سيارته وغادر.
قال حكمت موجها كلامه لسهى:
ـ لماذا لم تخبريني بأمرها من قبل؟ وأنتِ يا ورد أتيتي متأخرة بالأمس هل صادفته وهو يترجل من سيارته؟
قالت ورد بعد أن ابتلعت ريقها:
ـ نعم كنت أطرق الباب ظننته؛ يريد خطفي كنت خائفه، ولم أرد إزعاجك، بأمره لهذا لم أخبرك أيضًا أنا من طلب، من سهى أن لا تخبر أحد.
لم ينطق أحد بكلمة أكتفي الجميع بالصمت وكأن هناك قلقًا بادي على وجوههم أكملو تناول فطورهم، وذهب كل منهم لمهامه بقيت ورد مع والدها، لتخبره بشأن الأرض التي سيتم فيها المشروع قالت بتردد:
ـ أبي هل أنت واثق من أنك تريد أن تبني فيها الفندق؟ هذه كل ما بقى لك من أرض كيف ستتصرف إن خسرنا التنفيذ؟ قاطعها قائلاً:
ـ لا لن نخسر بإذن الله لقد تعبنا جدًا لنصل لهذه المكانة، لن نستسلم أبدًا هيا على الذهاب للعمل وأنتِ بادري بدراسة الخطة جيدًا.
أومأت برأسها موافقة نهض والداها واتجه مغادرًا.
ركب السيد حكمت سيارته وكان متوجها لمكان يعلم جيدًا، أنه لا يطيقه، ولا يرحب بالجلوس فيه؛ ولكن أسباب كثيرة تجبره علی الذهاب أوقف السيارة أمام بيت عتيق، ظل يحدق طويلاً في هذا البيت كيف عاش هنا؟ سنين صغره، وأيام، وليالي تحمل معها الذكريات الجميلة؛ وأخرى ذكريات سيئه يحاول محوها من ذاكرته.
ولكنها تبقى عالقة؛ حتی في جوهر أيامنا، ظل ينظر للبيت طويلاّ، وكأن هناك غشاوة أصابت عيناه لم يرى غير الذي أمامه فجاة وقف خيال أمامه.
بل لم يكن خيال كما حدثته نفسه كان هذا عثمان شاكر لم تتغير ملامحه خمس عقود، لم تغير جبروته وغروره، كما هو صاحب النفوذ العالي نطق بغرور واضح:
ـ حكمت توفيق بشحمه ولحمه أتي للمكان الذي تركه من عشرين سنة كيف ذلك؟
نزل حكمت من سيارته، ليقف مقابلة ليقول من بين أسنانه:
ـ ماذا تريد منا؟ وكيف سمحت لنفسك بمراقبه منزلي؟
لقد أنتهى كل شئ بيننا، لا رابط يجمعنا بعد اليوم ماذا تريد من عائلتي بالله عليك؟
لم يفهم عثمان شيء مما قاله حكمت بادره قائلاً:
ـ لا شأن لي بك ولم أقترب من منزلك ولا من عائلتك كفاك هراء الآن، كما قلت لقد أنتهي كل شيء بيننا؛ منذ عشرين عام لا أريد شيئًا منك هذا كل ما لدي، لأقوله لك.
لم يصدقه حكمت، ولكن تلمس الصدق في حديثه، أنه محق هذه المرة؛ إذًا من يكون هذا الشخص، الذي يراقبه قبل أن يغادر حكمت سمع صوتًا لطالما كان مصدر الأمان بالنسبة له.
لم يستطع أن ينظر خلفه لصاحبة الصوت؛ فقد تجمد في مكانه، ولكن صوتها مرة أخرى جعله يلتفت لينظر لتلك الملامح التي لا تغيب عن البال؛ وكأنها ما زالت في ريعان شبابها، لولا تلك الخصلات البيضاء التي زينت شعرها بها.
ـ كيف حالك؟
هذا فقط ما استطاعت قوله تقدم نحوها ببطء وكأنه يخاف أن تختفي في اللاشيء، أمسك يديها وقبلها وقبل رأسها كيف حالك أنتِ يا عزيزتي؟ كم أشتقت إليكِ؟ مرت شهور طويلة منذ آخر مرة رأيتكِ فيها كم أفتقدك؟!
ـ لا تقلقي سيأتي يوم وأخذكِ شق حكمت طريقه بعيدًا عنهم؛ ولكن وصاله مع سلوى لم يكن ينقطع أبدًا لطالما، كانت له مصدر قوة ودعم.
ولكن مر السنين لا يترك شيئًا كما هو قبلها على رأسها وضمها بحنانٍ افتقدته طويلاً، شقى طريقه إلى المدينة..
يتبع






المزيد
حين يتكلم الصمت: بقلم: سعاد الصادق
ضوء هادئ
الكنز : بقلم: سعاد الصادق