كتبت: علياء زيدان
في كنف ذلك الفناء حدث الكثير من الأمور الغامضة، فتاة في الثامنة عشر من عمرها، وحيدة في منزل كبير، فلا شيء قادر أن يمسح عن ملامحها تعاسة الماضي إلا أحلامها، كل ليلة يأتيها خيال عابر يحمل جذوة من الذكريات، عن الأب الذي كان هنا والأخ الذي يمرح هناك، عن تلك الحنون التي كانت تُعد الطعام مختلف ألوانه، عن الصغيرة الباسمة الرقيقة ذات الأربعة أعوام شقيقتها الصغرى؛ ولكن مسحة من الحزن تعتلي وجهها وقلبها متألم، باكية الأعين.
تنظر في الأفق متألمة، متسائلة، كيف مر من العمر عشرة أعوام ولم أنس كل هذا لحظة واحدة، كل ليلة أتذكر الأمر كأنه البارحة؛ حيث فقدت الجميع دُفعة واحدة وتُركتُ وحيدة بين جدران هذا البيت العتيق، بضعة أشهر تُفرق بيني وبين الحلم الذي سأعنقه قريبًا، وحده قادر على إزالة أتراب الحزن من عيني، سأكون يومًا ما أُريد حتى أسعد من جديد، سأقف بعد كل هذا بشموخ ولمسة من السعادة تغمرُني وكأنني تحولت طيرًا لا يسعه البيت الكبير؛ فأكون على سطحه باسطة أجنحتي لأطير أخيرًا.
عند طوالع النجومِ في الأفق أنظرُ و بطيف جذوة الذكريات أفكرُ، كيف تشمل الأرض ذاك الذي وصل أخيرًا لحلمِه بعد صبر الليالي وبكاء يدسُه في وسادته ليلًا؟ كيف حال القلب حينما يسعد من جبر الحبيب الجابر لكل كسير؟
أعلم أنه يراني ويسمع أنين صدري في كل ساعة، ثمانية عشر عامًا مروا ومنهم عشرة أكلوني حية حتى بِتت أشبه بميت يتحرك بين الناس الاختلاف الوحيد في نفسي الذي يدخل ويخرج مني.
أحيانًا أشعر بثقل الحياة عليَّ بهذه الذكريات التي تحوم حولي بلا توقف، أجهش بالبكاء ليلاً فأرى طيفهم حولي، لمن أذهب حينما تجور الحياة عليَّ فمن سواك ومن لي سواك يارب تسمع أنيني.
أدعوك أن تقر عيني بما أصبو إليه وتنظر لي نظرة عطف ورحمة بحال قلبي الكسير وصدري المكلوم، والباكية عيني، يضيقُ صدري ولا ينطقُ لساني؛ ولكن الله العليم بحالي.
ثم ترققت حبة من اللؤلؤ من عينيها وأغلقت النافذة وذهبت بين طيات البيت الكبير داعية بأن تُجبر.






المزيد
بين الأفضل والأنسب الكاتب هانى الميهى
مدينتي ضوء القمربقلم الكاتبة بثينة الصادق أحمد عاصي
أسعدتني بصباحها ! بقلم سها مراد