كتبت منال ربيعي
كنتُ عازفَ الأكوان، أهب النسيم نغمته، وأُلقي في الماء رقصة الضوء، وأزرع في قلوب الخلق توقًا لا يُطفأ.
ذات صباحٍ صامت، رأيتها…
كانت “رادها” تجمع الثمار في غابة “فريندافان”، تغني بلحنٍ لم يُعلَّم، نغمةٌ خرجت من قلبٍ يعرف سرّ الخلق، فتمايلت الأشجار، وسكنت الطيور، وانحنى الوقت إجلالًا لصوتها.
وفي خلوة اللحن، نَفختُ في فلوتي.
كان نفَسي صلاة، وكان صوت الفلوت طريقًا.
ارتعشَ خصرُها، لا طربًا فقط، بل كأن اللحن أيقظ ذاكرة روحها القديمة.
رقصت، والتفّ الكون حولها.
دارت كما تدور المجرات، وظهرت الزهور من تحت قدميها، لا كأنها تنبت، بل كأنها تُبعث من نومٍ عميق.
عندما عزفتُ، لم أكن أعزف لها وحدها…
كنتُ أُخاطب الأرواح التائهة في الدهور، أدعوها أن تعود.
لكنها، “رادها”، وحدها سمعتني.
لأنها ليست امرأة، بل تجلّي الأنثى الأولى، زهرة النور، ظلّ الروح.
هي التي رأتني…
لم تكن تنظر إليّ بعينيها فقط، بل كانت تحدّق بي بعين القلب.
رأتني في هيئة رجل، لكنني كنتُ الكلمة، والوتر، والحنين الذي لا يُشبه شيئًا.
قالت لي عيناها: “أنت المأوى.”
فهمتُ، دون كلام، أن بيننا رباطًا نسج قبل الخلق.
لكنني لستُ من يمكث،
أنا الذي يُولد في الضوء ويعود إليه.
أنا الذي لا يُحب بحدود، بل يذوب، ويُذيب.
حين بكتْ، وضعتُ أصابعي على شفتيها،
وقلت: “أيتها التي تشبه طلوع الفجر في سماواتٍ لا تُعرف،
سأرحل، لكنك لن تفقديني.
أنا لا أُغادِر من يعرفني حقًّا،
أنا اللحن في قلب الذاكرين،
والنغمة التي تهمس بها الطيور في الفجر،
وأنا دمعة العاشق حين يسجد دون أن يطلب شيئًا.”
كلّ من أحبّني بصدق، عرفني.
وكلّ من أنكرني، لم يذق الجمال.
ستبقين تسمعين عزفي،
حين ينكسر قلبك، حين تضحكين، حين تمشين في الطرقات وحدك.
فأنا فيكِ، كما أنتِ فيّ.
وهذا هو العشق عندنا،
لا يكتمل في الجسد، بل يتوهّج في الروح،
ثم يصعد، فيكون صدى لا ينتهي، في السموات العُليا.
أنا كريشنا، والنور الذي أحبّني اسمه رادها،
وبيننا لحنٌ لا تموت نغماته، لأنه كُتب بنَفَس الإله.






المزيد
الكتاب بين الأزمة والتطور بقلم سها مراد
مرآة التخلي بقلم الكاتبة كلثوم الجوراني
هل كلما تطورت التكنلوجيا يفقد الإنسان المروءة؟ بقلم وليد صديق