بين صمتين (الفصل الثالث: مقهى مزدحم بوجوه فارغة)
بقلم هاني الميهى
دخلتُ المقهى في ساعة ازدحامه القصوى، فكان المشهد أقرب إلى سوق صاخب منه إلى مكان يُفترض أن يكون ملاذًاللهدوء. الطاولات مكتظة، الكراسي متلاصقة، الأكواب تتصادم ببعضها، والضحكات تتعالى كأنها محاولة يائسة لتغطية صمتٍ آخر يختبئ في الداخل.
جلستُ على طاولة جانبية، أراقب. لم أكن واحدًا من هذا الجمع، بل كنت شاهداً من الخارج، عينًا تبحث عن معنى وسط زحام بلا معنى. كل وجه كان يحمل ابتسامة معلّبة، أو قناعًا أُجبر على ارتدائه، أو نظرة شاردة إلى شاشة هاتف تضيء ثم تنطفئ.
أدهشني أنّ المقهى، رغم ضجيجه، كان يغصّ بالوحدة. إنّها وحدة صاخبة، لا تسمعها الأذن بقدر ما يلتقطها القلب. كل شخص يجلس بجوار آخر، لكنّ كلٍّ منهم يضع بينه وبين العالم حائطًا من الزجاج: شاشة صغيرة يتوه فيها، أو سماعة تُغلق أذنيه عن كل ما حوله.
كنتُ أرى رجلًا في منتصف العمر يحرك يديه وكأنه يشارك في حديثٍ حيّ، لكنه لم يكن يخاطب أحدًا أمامه. كان يكلّم هاتفه، يصطنع ألفةً مع صورةٍ على الشاشة. بجواره شابان يضحكان بصوت مرتفع، لكن ضحكتهما كانت جافة كخشب، بلا جذور، بلا امتداد. أما الفتاة التي جلست قريبة مني، فقد كانت تمارس طقسًا آخر من طقوس الغياب: ترتشف قهوتها ببطء، وعيناها معلّقتان في الفراغ، كأنها تبحث عن شيء لن تجده بين كل هذا الصخب.
تساءلتُ: هل نحن نأتي إلى المقاهي لنلتقي، أم لنختبئ؟ هل صارت الطاولات مجرد محطات انتظار، نملأها بأحاديث عابرة ورسائل متبادلة، بينما قلوبنا معلّقة في أماكن أخرى؟
المقهى الحديث ليس كالمقهى القديم الذي كان يُولد فيه الشعر وتُحاك فيه الحكايات. اليوم، المقهى مجرد قاعة كبيرة يتشارك فيها الغرباء نفس المسافة، لكن كلٌّ منهم يغرق في جزيرته الخاصة. لقد تحوّل من فضاء للقاء إلى ساحة للغياب المشترك.
الوجوه حولي كانت كثيرة، لكن لم يكن بينها وجه واحد حيّ. كلّها وجوه فارغة، تعكس إضاءة المصابيح أكثر مما تعكس دفء الإنسان. شعرتُ أنّني لو نهضتُ فجأة وغادرت، فلن يلاحظ أحد. ولو ظللت صامتًا ألف ساعة، فلن يسألني أحد عن سبب الصمت.
هناك لحظة أدركتُ فيها أنّ المقهى ليس مكانًا نذهب إليه، بل مرآة لِما نحن عليه. نحن مجتمع مزدحم بالأجساد، فارغ من الروح. نعيش معًا لكن لا نلتقي. نتبادل الضحكات لكن لا نتقاسم الحياة.
رفعتُ فنجان القهوة إلى شفتي، كان بارداً، بلا طعم. ربما لم يكن الذنب في القهوة، بل في أنني أرتشفها وسط وجوه لم تعد تعرف كيف تُشعل دفئًا، وجوهٍ صارت عناوين بلا قصص، صورًا بلا أرواح، وجوهاً تملأ المقهى… لكنها لا تملأ القلب.






المزيد
إنعاش بقلم مريم الرفاعي
عقيلة عاشوري… حين تصبح الثقافة روح مدينة بقلم خيرة عبدالكريم
اليوم الخامس كيف يبدأ الكاتب الشاب طريقه نحو النشر؟ بقلم الكاتب هانى الميهى