مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

بين صمتين، الفصل الثاني: الغربة في جيب معطف بقلم هاني الميهى

بين صمتين، الفصل الثاني: الغربة في جيب معطف

بقلم هاني الميهى

 

ما الغربة؟ ليست دومًا أن تسافر بعيدًا، أو أن تستيقظ في مدينة لا تعرف شوارعها. الغربة قد تكون أقرب كثيرًا: أن تحمل هاتفك في جيب معطفك، وهو يمتلئ بالأسماء والصور، بينما قلبك خاوٍ لا يسمع صدى لصوت واحدٍ مألوف.

 

في الماضي، كان الغريب هو ذاك الذي يقطع الصحارى ويبحر عبر الموانئ. اليوم، صار الغريب هو من يجلس بين أحبّته ويشعر أنّه منفيّ بينهم. الغربة تغيّرت ملامحها، لم تعد في جغرافيا المكان، بل في تفاصيل الروح.

 

أتعرف أين تكمن القسوة؟ في أنّ الهاتف يمنحك وهم القرب. بضغطة زر، ترى صورة من تحب، تسمع صوته، تتلقى منه رسالة. لكنك حين تغلق الشاشة، يعود كل شيء إلى صمته الثقيل. وكأنّ الغربة الحديثة ليست بُعد المسافات، بل هشاشة الصِلات. صلة واهية كشبكة إنترنت قد تنقطع في أي لحظة.

 

الهاتف، هذا الصندوق البارد، يخزّن آلاف الأسماء، لكنّه لا يضمن لك قلبًا واحدًا صادقًا. وكل إشعار يصلك، قد يزيدك يقينًا أنّك غريب وسط هذا الضجيج. الغربة ليست فراغ الجيوب، بل فراغ الأرواح. ليست ندرة الطرق، بل ندرة الأمان.

 

قد تحمل وطنك كله في صورة خلفية على شاشة هاتفك، قد تحفظ أصواتهم في مقاطع صوتية، لكنك، في لحظة صمت، تدرك أنّ الوطن الحقيقي ليس ما تراه على الشاشة، بل ما يملأ قلبك دفئًا حين تلتقي به وجهًا لوجه.

 

الغربة في زماننا الجديد تسكن الجيب، ترافقك في المواصلات، في المكتب، على المقاهي. غربة متخفية في هيئة جهاز أنيق، يربطك بكل العالم، لكنه يتركك وحيدًا في أعمق نقطة منك.

 

إنها غربة بلا حدود، غربة تلبس ثوب الاتصال بينما تحمل في جوفها عزلة لا تُطاق. وربما كان أقسى ما فيها أنّها غربة بلا سفر، بلا مغامرة، بلا طرق تُروى. إنّها غربة صامتة، تقيم معك أينما ذهبت، تختبئ في جيب معطفك، لكنها تثقل روحك أكثر من أي منفى بعيد.