مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

بين المزاح والألم

Img 20250205 Wa0062

 

بقلمي:- سلسبيل حسين 

 

هناك فئة من البشر يعيشون بين الظلال، يتخفون وراء ابتساماتٍ تبدو ساحرة، وكلماتٍ تنساب كالنسيم الهادئ، لكنها تخفي في طياتها سمًا يقتل بهدوء. هؤلاء الذين يتحايلون على الحقيقة، يظنون أن المزاح هو وسيلتهم لإخفاء جراحهم، أو ربما لتغطية نقائصهم. يضحكون بينما قلوبهم تفيض بالحقد، ويتنقلون بين الآخرين كالذئاب في صورة حمل وديع.

 

إنهم يعرفون جيدًا كيف يلعبون على أوتار العلاقات، وكيف يصبون سمومهم في آذان الآخرين دون أن يشعروا. يجرحونك بالكلمات التي يرددونها عن “مزاح”، تلك الكلمات التي تخترق قلبك بألم أشد من أي سكين. لا يظهر على وجوههم سوى الابتسامة، لكن خلف تلك الابتسامات تختبئ عيون تراقبك بحسدٍ خفي، وترصد كل خطوة تخطوها لترى ما إذا كنت تتعثر أو تترنح.

 

إنهم يعيشون في عالمٍ من النفاق، يتقلبون في مواقفهم حسب ما تقتضيه مصالحهم، ويبنون أسوارًا من الأكاذيب حول أنفسهم. في العلن، يظهرون كأصدقاء، لكن في الخفاء، تشتعل نار الغيرة في قلوبهم، ويخططون لإسقاطك بكلمة أو نظرة، أو حتى بابتسامة زائفة. لا يرون في نجاحك سوى تهديدٍ لوجودهم، ولا يشعرون بالراحة إلا حين يرونك تتعثر أو تسقط في حفرة لم تكن تعرف بوجودها.

 

وما أن تبدأ في الظهور بمظهر المتفوق أو الناجح، حتى تبدأ سحب الغيرة تتجمع فوقك، وحين يقتربون منك، تجد أنهم لا يرفعون يديهم إلا لتصفعك بهدوء، على الرغم من أن أيديهم مغطاة بالقفازات الناعمة. يتحدثون معك وكأنهم يشاركونك الألم، لكن في واقع الأمر، هم يتنفسون هذا الألم ويسقونه بلهفة، لأن ما يشعرون به من غيرة وحقد يزيدهم قوة على ما يعتقدون أنه ضعفك.

 

هؤلاء الذين يمارسون المزاح القاسي، لا يدركون أنهم بهذا المزاح يكسرون الأرواح، ويجرحون القلوب التي لطالما كانت تأمل في أن يكون الكلام وسيلة لبناء الجسور، لا لتمزيقها. هم يعيشون في دائرة مغلقة من النفاق والخذلان، يظنون أن قوتهم تكمن في النيل من الآخرين، ولكن في الحقيقة، هم مجرد انعكاس لصورة فراغهم الداخلي.

 

إياك أن تظن أن هذه الأفعال تصدر عن صداقاتٍ حقيقية. تلك الوجوه التي تجلس معك في الظاهر، وتبتسم لك بحب، قد تكون أول من يصفك وراء ظهرك بكلماتٍ لا تعرفها عن نفسك. وأنت، حين تشعر بتلك الجروح الصغيرة التي تُسقَط في قلبك، تذكر دائمًا أن المزاح المؤذي هو سيفٌ ذو حدين، لا يُقتل به إلا من يثق بهم.

 

هم لا يحبونك كما تظن، ولا يتمنون لك الخير كما يزعمون. فهم لا يملكون في قلوبهم مكانًا للصفاء، ولا مساحةً للحب الصادق. إنهم يحيون في زيفٍ يتنفسون منه كل لحظة، يعيشون في عالمٍ مبني على الحقد الذي يلبس ثوب المزاح، لكن جوهره هو الغيرة والتنافس غير الشريف. لكن الحقيقة الوحيدة التي لا يعرفونها هي أن قلب الإنسان لا يمكن أن يحيا في الظلام، مهما حاولوا أن يخفوا فيه شعاع الأمل.