بقلم: خالد محمد شعبان
مهما كان مستوى رضاك عن حياتك، ستظل المخاوف تعصف بعقلك، وستظل ترى التفاصيل الصغيرة التي لا يراها غيرك وهي تزحف بين ثنايا المواقف العادية في يومك، منذرةً بما يوسوس به الخوف إلى عقلك.
قد تكون كلمة مزاحٍ عابرة، أو نظرةً بسيطة، أو تعبيراً ينطبع على ملامح وجه شخصٍ ما، تثير فيك مخاوف تجعلك تغرق فيما تبقى من يومك في سيناريوهات درامية حزينة أو مرعبة، تأتي كعواقب لتجاهل هذه المؤشرات البسيطة العابرة كالغبار وسط الرياح.
وتظل حقيقة أنها مجرد وساوس تُبقي كل تلك الأفكار التشاؤمية حبيسة عقلك؛ إذ لا يمكنك مناقشتها مع أحد لأن أحداً لن يصدق تلك الأفكار، وستُتَّهم بالمبالغة في التفكير.
مفترق الطرق: حين يغلي العقل بالرعب
فتظل أنت تعاني من نار الخوف التي تحرق تلك الأفكار في رأسك حتى يغلي عقلك من الرعب والقلق، وحينها يكون أمامك طريقان:
الطريق الأول: أن يكون ما تشك فيه شيئاً غير خطير، فتتجاهل الأمر برمته وتقول في نفسك: “فلينهر السقف طالما لم أكن تحته”.
الطريق الثاني: أن يكون أمراً خطيراً يخصك بشكل مباشر أو يخص شخصاً عزيزاً عليك، فإن الرعب هنا يحولك إلى وحش يتصرف بغريزته، وعوضاً عن عملية الإنقاذ التي كنت تنوي القيام بها، تفتعل أنت بذاتك الكارثة التي كنت خائفاً من وقوعها.
تدرك في هذه اللحظة أن تلك الوساوس لم تكن مؤشرات، بل مجرد بذور لأفكار زرعها الشيطان في عقلك بذكاء، وتركها لتنبت وتنمو وتتشعب حول دماغك حتى حجبت عنك التفكير بعقلانية، فتحولتَ من منقذٍ مزعوم إلى صانعِ كارثة.
من الملام على إفساد عقلك؟
الخوف غريزةٌ طبيعيةٌ ليس هو الملام على إفساد يومك وحياتك، ولا حتى الشيطان الذي وسوس لك؛ فما كان دوره إلا أنه نثر بذوره في أرضك.
فإن أردت أن تشير بإصبع الاتهام فواجهه إلى ذاتك؛ لأنك ببساطة من سقى هذه البذور وسمّدها ورعاها حتى وصلت إلى درجةٍ من النمو لم تتمكن حينها من إيقافها عن التحكم فيك وإفساد تربة عقلك بالكامل، فالخوف لم يكن إلا الماء الذي رويت به تلك البذور لا أكثر.
الفرق بين الحذر والشك والظن
وهذا لا يعني بالضرورة أن كل المؤشرات وساوس، وأن كل الأفكار التشاؤمية بذور شيطانية، فالحذر واجب وهو من الحكمة، وهنا يجب أن نفرق بين ثلاثة مفاهيم:
1. الحذر:
مجرد إجراءات احترازية يتخذها الشخص إغلاقاً لباب الضرر من الأساس، مثل القفل الذي يزيد إحكام إغلاق الباب.
2. الشك:
فرض حدوث الضرر دون دليل واضح؛ كأن تجد غرضاً من منزلك قد اختفى، فأنت هنا تشك في أنك سُرِقت، لكن ليس لديك دليل قاطع.
3. الظن:
مظنة وقوع ضرر لم يقع ودون دليل؛ كأن تظن أن أحد أفراد بيتك ينوي سرقتك دون قرينة أو علامة.
فالحذر مطلوب ومهم لكي لا يُفتح بابٌ للأذى أصلاً، والشك طبيعي إذا وجدت قرينة تدعمه ولكنه لا يكفي لإصدار الأحكام، والظن أغلبه وساوس وبذور شيطانية، والقليل منه فقط هو الذي يكون مصحوباً بدليل أو علامات تدعمه.
الخلاصة:
حين تباغتك فكرة سببها تفصيلة غير مريحة في روتين يومك، تحقّق أولاً إن كانت مجرد ظن أو أنها محل شك؛ فإن كانت ظناً، فتيقّن من أنها ليست إلا بذرة فاسدة تريد أن تفسد عقلك وحياتك… فلا تروِها بخوفك.






المزيد
الضغوط النفسية: العدو الخفي للصحة النفسية
ما الذي يبقى من المدرسة حين تنتهي الكتب؟
ليس كل قريب قريبًا: الفرق بين صلة الدم وصلة الأمان النفسي