مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

انتقام

كتبت: مريم محمد

كنتُ طفلةً صغيرة گ باقي الأطفال، كنتُ ابتسمُ حين يُحضرُ لي أبي هدية وأقبلهُ علىٰ وجنتيه وأقول: شكرًا يا أبي، كنتُ أعانقُ أمي كلما رأيُتها وأضحكُ وأقولُ لها:أُحبكِ يا أمي، كنتُ أتشاجرُ أنا وإخوتي عندما كُنا صغارًا وما ِِزِلنا، ثم كبرتُ وكبُرَت معيَ أحلامي، كبرتُ وكَبُرَ عقلي وقلبي، لكن روحُ الطفولةِ ما زالت بداخلي، مازلتُ أتصرفُ وكأني طفلةٌ في جسدِ فتاةٍ بالغة، وما زلتُ أطيرُ فرحًا حين يحضرُ لي أبي هدية، وما زلتُ أعانق أمي كل لحظةٍ وأضحكُ وأنا أتعلقُ بكتفيها، ومازالت براءةُ الطفولةِ بداخلي، كنتُ نقيةً حتىٰ قابلتُ أرواحًا لاتعرفُ النّقاء، أحببتُ أصدقائي، أخلصتُ لهم، وأنا ببراءتي أفرحُ حينما تقولُ لي إحداهنّ كلمةً أو عبارةً تُفرحُني، وأنا ببراءتي بل بسذاجتي أصدّقُ كلَّ من يقول لي أُحبكِ دون أن أعلمَ ما تخفي لي هذه الكلمة، كنتُ أظنّ أنهم صادِقون في مشاعرهِم، كنتُ أظنّ أنّهم يحبونني كما أحبهم، أنّهم بنفس البراءة التي امتلكُها، ظننتهم وقت حزني سيُقدرونَ أنّي متعبة، ضائعة، أحتاجُ لمن يقفُ إلىٰ جواري ويقول لي”لن أترككِ” كنتُ أظنّ أنهم سيعلمونَ أن صمتي يعني أنّي في قمة حُزني، أنّي أوشكتُ علىٰ الانتهاء، أنّي تعبتُ ولم أعُد قادرةً علىٰ إكمالِ المسيرِ بمُفردي، لكنّهم أخفقوا فهمي، أَخفَقوا في معرفةِ ما يعني صمتي، لم يستطيعوا جعلي سَعيدة، جعلوني فقط أتَألم، وبكل وحشيّةٍ قتلوا براءةَ الطُّفولةِ التي كانت بداخلي، وبكل وحشيةٍ تركوني اتعذبُ أمامهم وهم ينظُرون إليّ بنظراتٍ باردةٍ ويضحكون، كانوا يرَون دموعي علىٰ وجنتي ولم يُحاولوا حتىٰ تجفيفَها.

تعذبتُ حتىٰ صرتُ شخصًا باردًا، قاسيًا، وقويًا أيضًا، تعذبتُ حتىٰ أدركتُ أنهم كاذبون، أجل كلهم كاذِبون، ثم رحَلوا، رحلوا ولم يتركوا إلا بعضَ الذكرياتِ المزيّفة، رحلوا وقد جرحوا مشاعري، وتركوا مكانَهم في قلبي ولم يشغلهُ أحد.

لم يتركوا شيئًا، تركوا فقط الذكرياتِ المزيفة، الأليمة، التي لم أرغب في تَذكُّرها يومًا.

لكن تِلك الآلام، تلك القسوة، تلك الضحكاتُ العالية وأنا أتعذب لم تَزدني إلا قوة، وأقسم، أقسم بأنّي سأنتَقِمُ يومًا ما، سأنتقمُ لروحي النقية، التي تلوثتْ بأفعالِهمُ الدنيئة، الحقيرة، البشعة، أقسم بأنّي سأنتقم.