مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

الوردة البيضاء

Img 20250411 Wa0025

كتبت منال ربيعي 

 

كانت وردة بيضاء، لا تشبه أحدًا، حالمة كأنها خرجت لتوّها من قصيدة حب نُسيت في دفتر قديم. كانت ترى الخير في كل شيء، في النسمة العابرة، في خطوات الغرباء، حتى في الظلال القاتمة كانت تبصر بقعة ضوء تنتظر من يراها.

 

أنبتها المطر في البرية ذات مساء، حين انشقت الأرض فجأة عن بذرة صغيرة، فحنت عليها الغيوم بدمعة، وتكفّلت الريح برعايتها، حتى نمت على مهل، كأنها تتعلّم الحياة مع كل ورقة جديدة.

 

كانت عفويّتها آية… لا تخشى الانكسار، لا تعرف الخوف، تنام مطمئنة في حضن الريح، وتصحُو على زقزقة العصافير، تُهدهدها الحياة كأمّ حنون، حتى جاء ذلك اليوم.

 

هبت الرياح على غير عادتها، واختلطت المواسم، جفّ النسيم، وغاب المطر. تغيّر كل شيء من حولها، الأرض تحجّرت، والسماء انطفأت، وأصابها السؤال: كيف لوردة وديعة أن تعيش بين الأشواك؟ هل يجب أن تصير صبارة كي لا تُكسر؟!

 

كانت على حافة الذبول، لكنها اختارت أن تتحمّل. لوت عنقها في كبرياء، وغرست ساقها أعمق، حتى تحوّل عودها الطريّ إلى جذعٍ متين. مضت السنوات، وإذا بها تصبح شجرة عظيمة، جذورها تضرب الأرض بقوة، وأغصانها تعانق الغيم.

 

ورغم قسوة الرحلة، لم تنسَ الحلم الأول. لم تنسَ أنها وُلدت وردة. كانت تزهر بألف لون، وتُمطر زهورًا صغيرة بيضاء، كأنها رسائل حب منسية، تتساقط على المارّين فيهدأ وجعهم، ويستعيدون شيئًا من الطمأنينة.

 

كانت تُنصت لخطوات العشاق، تحفظ أسرارهم، وتغني لهم بصوت أوراقها. كان الأطفال يركضون حولها، والطيور تحطّ على أغصانها لتغني، حتى قيل إن تحت ظلّها تُشفى القلوب الكسيرة، وإن الأرواح التائهة تجد طريقها حين تمرّ بجوارها.

 

وكان في قلبها حنين، لا يُطفئه شيء… حنين لأول قطرة مطر، لأول غصن نما، لأول شعور بالخفة. كانت تشتاق لأن تكون وردة صغيرة مرة أخرى، لكنها رغم كل شيء، لم تندم.

 

لقد تحوّلت إلى أسطورة، شجرة لها قلب وردة. صارت رمزا لكل من كاد أن ينكسر ولم يفعل، لكل من قاوم القسوة بالحب، والعتمة بالضوء.

 

ترى… ماذا لو ماتت يومها، وهي غضّة، ضعيفة؟

ربما لم يكن أحد ليذكرها…

لكنها اختارت الحياة، فخلّدتها الحياة.