مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

المنتصف المميت بقلم بلال حسان الحمداني 

المنتصف المميت

بلال حسان الحمداني 

 

ستهرع للنوم كمن يطلب هدنة من شقاء الحياة؛ أوصتني -مخافة أن يسرقها التعب- أن أوقظها لصلاة الفجر. بقيتُ أبعث إليها رسائل متقطعة، أتحسس بها يقظة هاتفها… حتى صمت.أمضيتُ ليلتي في سهاد، أستدعي محطات شقائها التي شهدتها معها الصيف الماضي؛ كانت أياماً بقدر شغف البدايات وجنون الحب، إلا أنها كانت ممزوجة بالشقاء، ولم أهنأ بها معها، غير أن الطرق الوعرة التي سرتُها برفقتها كانت كجنى النحل في الفم. أذّن المنادي للصلاة،هاتفْتُها مرارًا… بلا جواب. أدركتُ أن الحزن قد أثقل نومها.

ارتفعت شمس الجمعة واستهللتُ صباحي أوصيها بالصلاة على النبي ﷺ، ولكن رداً لم يأتِ. خرجتُ إلى فناء السكن أزفر دخان سيجارتي، ولكم يؤنبني ضميري حين ينعتني شباب السكن بـ “الشيخ” وأنا أستخفي بهذا المنكر. فزعتُ إذ رأيتُ سيارة الشرطة تقف أمام سكننا، ودخلوا المبنى؛ فخشيتُ من عقدة السجن التي تلازمني مذ ساقوني إليه في أيلول 2022 لذنبٍ لم أقترفه. ابتعدت قليلًا، واتصلتُ بحازم. طمأنني: مجرد شكوى من أحد الإيرانيين ضد الإدارة.

أخذتُ نفساً شاكراً الله، ودعوته لنجلس خارجاً. مشينا إلى المحل نشتري الدخان والمشروبات وجلسنا في حديقة، وما زالت أمارات وجهه تفضح ما بداخله. سألتُه: “ما حال صاحبتك؟”، كان يزفر بسيجارته كمن يزفر هماً، وما أن ينتهي من واحدة حتى يشعل أخرى. قال متأففاً: “جننتني! تتصل عشرات المرات.. يا رجل، هذا تعلق”. عذلته قائلاً: “ألم أقل لك أن تطلب البعاد بلطف؟”، فأخفض رأسه: “لم أفعل” “هي تدرس الطب ومتبرجة، وهي بحالة اجتماعية ودراسية اجيدة؛ ما الذي يدعوها إلى التعلق بي؟”. أجبب بأسى: “التعلق والمشاعر لا علاقة لهما بما ذكرت”. “لكنك ستحمل ذنبها، وستظل متمسكة ببصيص أمل معك وتزداد عذاباً إلى عذاب”. قال بحسرة: “لا أجمل من أن تجد علاقة تبث فيك الحياة وتجعلك تقبل إليها بشغف وهمة.. ها هو فلان معنا في السكن دخل علاقة مع فتاة، تراه نجح في ست عشرة مادة، وتصنع له أطيب الطعام، ويقضي جل وقته معها بأحضان وقبل”.

همستُ لنفسي: “رغم أني أتوق إلى أن أكون في مكان فلان، وأن أجد حضن سدرة دافئاً مطمئناً أرتمي إليه من همومي، وعناقاً يطفئ جذوة حب عام وشهر، إلا أنني لم تعد تروق لي علاقة دون عقد شرعي”. فقلت له: “هذا حرام ولذة مؤقتة”. قال: “أعلم، لكن فلان يجعل أصابعه في أذنيه لكل عاذل”. همستُ لنفسي بكل أسى: كما كنتُ أنا؛ صمٌ بكمٌ عميٌ عن العذال، وأشهرتُ سيفي في وجه كل من قال لي “لا”، ويصدق فيّ قول البوصيري:

 

يَا لَائِمِي فِي الْهَوَى الْعُذْرِيِّ مَعْذِرَةً

مِنِّي إِلَيْكَ وَلَوْ أَنْصَفْتَ لَمْ تَلُمِ

عَدَتْكَ حَالِيَ لَا سِرِّي بِمُسْتَتِرٍ

عَنِ الْوُشَاةِ وَلَا دَائِي بِمُنْحَسِمِ

مَحَضْتَنِي النُّصْحَ لَكِنْ لَسْتُ أَسْمَعُهُ

إِنَّ الْمُحِبَّ عَنِ الْعُذَّالِ فِي صَمَمِ

فقلتُ: “حين تصفعه التجربة، سيعي.”. نظر إليّ : “وماذا عنك؟”، فشكوتُ له ما أنا فيه وحالي كما هو. فتبدلت الأدوار وقال بغضب: “ليس لك من راحة سوى أن تتجرأ وتقول لها: إما وصال وإما فراق! وحينها ستخرج من دائرة أنك (مضمون)، وستفكر هي بأنك ستتركها، وربما سترضى بالوصال لكي لا تخسر حبك واهتمامك”.

لم أنبس ببنت شفة؛ فحازم لا يعرف أني كنتُ بذلتُ لها كلي فتركتني شر تركة، والآن هي متقلبة بين رغبتي الفراق والبقاء. ولو طرقتُ باب قلبها من جديد فسأُرد لعلمي بكابوس عقدتها من الزواج. فكرتُ للحظات أن أفعل لكي أبلغ من لدنها عذراً ولا أبقى في المجهول، لكن آثرتُ أن أحفظ كرامتي، ولم تعد لهفتي لوصالها كما كانت.. لحاجةٍ أسرُّها في نفسي.