مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

الفصل الخامس: السباق الذي لم أختَره بقلم الكاتب هانى الميهى

الفصل الخامس: السباق الذي لم أختَره
الكاتب هانى الميهى

لم أتذكر يومًا أنني قررت أن أبدأ هذا السباق…
لكني كنت أجري فيه بكل ما أملك.
لم يكن هناك خط بداية واضح،
ولا لحظة إعلان.
فقط… وجدت نفسي داخله.
أتحرك، ألهث،
وأتعامل معه كأنه قدري.
كبرت وأنا أرى نفس المشهد يتكرر:
الكل يسعى،
الكل يقارن،
الكل يحاول أن يصل.
لم يسأل أحد: “إلى أين؟”
السؤال الوحيد كان: “كم تبقى لك؟”
وهكذا…
تعلمت القاعدة دون أن أشعر:
أن الحياة سباق،
وأن قيمتك تُقاس بموقعك فيه.
لم أراجع هذه القاعدة.
لم أشك فيها.
تبنّيتها… كما هي.
ثم بدأت أبني حياتي عليها.
اخترت أشياء كثيرة…
لكنني الآن أدرك،
أنني لم أكن أختار بحرية.
كنت أختار ما يناسب السباق،
لا ما يناسبني.
اختياراتي كانت “منطقية”،
“مقبولة”،
“مفهومة”…
لكنها لم تكن لي.
كنت أتحرك داخل مسار مرسوم،
حتى لو لم أره.
كل خطوة تبدو قراري،
لكنها في الحقيقة…
استجابة.
استجابة لتوقعات،
لصورة ذهنية،
لمعيار لا أعرف من وضعه.
كنت أظن أنني أتحكم،
لكنني كنت فقط…
أنفذ.
وفي كل مرة كنت أشعر بعدم الراحة،
كنت أفسّر ذلك بشكل خاطئ.
أقول:
“ربما لم أبذل جهدًا كافيًا.”
“ربما أحتاج أن أسرع أكثر.”
لم يخطر ببالي أبدًا…
أن المشكلة قد تكون في الطريق نفسه.
لأن الاعتراف بذلك…
كان يعني أن كل ما سبق
يحتاج إلى مراجعة.
وهذا…
كان مرهقًا أكثر من الركض.
كنت أرى من يخرج عن المسار،
وأشعر نحوه بشيء غريب.
مزيج من الاستغراب…
والخوف.
كيف تجرأ أن يتوقف؟
كيف اختار طريقًا مختلفًا؟
لكن في العمق…
كنت أحسده.
لأنه فعل ما لم أستطع فعله:
أن يسأل.
السؤال البسيط الذي تجنبته طويلًا:
“هل هذا ما أريده فعلًا؟”
كنت أخاف من الإجابة.
لأنني كنت أشعر، في مكان ما داخلي،
أن الإجابة قد لا تعجبني.
ومع ذلك…
استمريت.
لأن الاستمرار أسهل من المواجهة،
والركض أسهل من التوقف.
كنت أبرر لنفسي كل شيء.
أقول إن هذا هو الواقع،
وأن الحياة تحتاج صبرًا،
وأن الجميع يفعل ذلك.
لكن الحقيقة التي بدأت تظهر،
ببطء…
أن “الجميع”
ليس مبررًا كافيًا.
قد يكون الجميع مخطئًا…
ويركض في نفس الاتجاه.
وفي لحظة نادرة من الصدق،
سألت نفسي:
لو عاد بي الوقت…
هل سأختار نفس الطريق؟
لم تأتِ الإجابة فورًا،
لكن الصمت…
كان كافيًا.
ذلك الصمت لم يكن حياديًا،
كان مليئًا بشيء ثقيل…
شيء يشبه الندم،
لكنه لم يُكتمل بعد.
بدأت أرى حياتي من زاوية مختلفة.
ليس كرحلة اخترتها،
بل كمسار دخلته…
ثم لم أخرج منه.
وهنا فقط…
ظهر الإدراك الذي كنت أهرب منه:
أنني قضيت وقتًا طويلًا
أركض في سباق…
لم يكن لي.
وهذا لا يعني أن كل ما فعلته كان خطأ،
لكن يعني…
أنني لم أكن حاضرًا في القرار.
كنت جزءًا من حركة أكبر،
تدفعني،
توجهني،
وتقنعني أن هذا هو الطريق الوحيد.
لكن ماذا لو لم يكن كذلك؟
سؤال بسيط…
لكنه كسر شيئًا بداخلي.
كسر اليقين الزائف،
وكشف مساحة لم أكن أراها.
مساحة للاختيار.
وللمرة الأولى،
لم أشعر برغبة في الركض.
لكنني أيضًا…
لم أكن أعرف كيف أتوقف.
كنت في المنتصف،
لا أستطيع العودة،
ولا أملك الشجاعة للمغادرة.
وهذا…
كان أصعب مكان.
لأنك حين تدرك الحقيقة،
لا يمكنك أن تتجاهلها كما كنت.
لكنك أيضًا…
لا تعرف ماذا تفعل بها.
وهنا…
بدأ التصدع.
بطيء،
صامت،
لكن حقيقي.
ولأول مرة،
لم يكن الخوف هو المسيطر الوحيد.
كان هناك شيء آخر يظهر…
شيء يشبه الوعي.
وعي يقول:
“هذا ليس طريقك.”
لم يكن صوتًا عاليًا،
لكن كان صادقًا بما يكفي
ليزعجني.
ومع هذا الإزعاج،
بدأت أفقد توازني.
لم أعد أركض بنفس الحماس،
ولم أعد أصدق نفس المبررات.
كنت أتحرك…
لكن بشك.
وهذا الشك…
كان بداية النهاية.
نهاية مرحلة كاملة،
بنيت على السرعة،
والخوف،
والتلقائية.
وبداية شيء لم أفهمه بعد…
لكنني شعرت به.
أنني…
سأسقط.
رسالة الفصل:
أسوأ ما قد تكتشفه…
ليس أنك تأخرت،
بل أنك كنت تسير في طريق
لم تختره من البداية.
تمهيد الفصل القادم:
ولم يطل الوقت…
حتى حدث ما كنت أهرب منه طويلًا.
لم أعد قادرًا على الاستمرار،
وتعثّرت… لأول مرة.