مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

العين تخدع والقلب يعلم بقلم شهد عماد

في زمنٍ صارت فيه الواجهة أهم من المضمون، أصبح الإنسان يقف طويلًا أمام المرآة ليُرضي أعين الناس، ولا يقف لحظة أمام نفسه ليُرضي ضميره. نُقيم الآخرين بناءً على ما نراه، لا على ما نعيشه معهم. صار المظهر بطاقة تعريف، بينما الجوهر لا يُسأل عنه.

 

شابٌ لا يمتلك ملامح لافتة، لا يتحدث كثيرًا، لا يلبس أغلى الثياب، لكنه إذا تحدث، وجدنا في كلماته عمقًا يغني عن كل صورة. وفي المقابل، نرى من يرتدي أغلى العلامات التجارية، يملك آلاف المتابعين، لكنك حين تجلس معه، تشعر أن الحديث معه كالأكل من ورق لامع لا طعم له.

 

في العمل، تُعطى الفرص أحيانًا لمن يملك طلاقة لسان لا عمق فكر. في الدراسة، يُنظر للطالب المجتهد نظرة عادية إذا لم يكن “محبوبًا” أو “ظريفًا”، كأن الجهد وحده لا يكفي ما لم يكن ملفوفًا بورق لامع.

 

المجتمع يمارس ضغطًا خفيًا: “كن جميل الشكل”، “كن حاضرًا دائمًا”، “اظهر”، أما الجمال الداخلي فلا يبحث عنه أحد. قليلون فقط من يملكون القدرة على الرؤية عبر الحواس، أولئك الذين لا تنطلي عليهم الزينة، الذين يعرفون أن الجوهرة قد تكون في غلاف بسيط، وأن الذهب لا يحتاج إلى طلاء.

 

الجوهر لا يُصنع في لحظة، بل يُبنى بتراكم التجارب والصدق والمواقف. أما المظهر، فيمكن تغييره بلمسة، ولكنه لا يغير الحقيقة. من يبحث عن عمقك سيراك، ومن يبحث عن شكلك سيضيع كثيرًا.

 

في النهاية، تختبرنا الحياة، لا لتُظهر جمالنا الخارجي، بل لتكشف معدننا الحقيقي. وكما يقولون: المعدن الأصيل لا يصدأ، حتى إن خُفي بريقه مؤقتًا.