مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

العودة إلى البداية

Img 20241227 Wa0022

 كتبت لِسُهيلة أحمد عامر

 

كانت “ليلى” تمشي في شوارع حيّها القديم، تشعر بالثقل في قلبها مع كل خطوة. تركت المكان منذ عشر سنوات، معتقدة أن الهروب هو الحل لكل أوجاعها، لكنها الآن عادت وهي تحمل أسئلة لم تجد لها إجابة طوال تلك السنين.

 

وصلت أمام بيتها القديم. كان يبدو كما تركته، بجدرانه المتهالكة وبابه الخشبي الذي ما زال يحمل شقوق الزمن. وقفت للحظات تتأمله، تستعيد صورًا من طفولتها، ثم مدت يدها بتردد وطرقت الباب.

 

فتح الباب امرأة عجوز، تنظر إليها بعينين مليئتين بالتساؤل. “مين حضرتك؟”

“آسفة لو أزعجتك، أنا كنت ساكنة هنا زمان و… حبيت أشوف البيت تاني.”

 

ابتسمت العجوز بلطف وقالت: “ادخلي، البيت دايمًا مفتوح لأصحابه القدامى.”

 

دخلت ليلى إلى الصالة. كل شيء بدا مألوفًا، رغم تغير الأثاث واختفاء الصور التي كانت تزين الجدران. جلست على كرسي قديم وبدأت تستعيد ذكريات طفولتها، الضحكات، الدموع، وأحلامها التي كانت تملأ المكان.

 

فجأة، سمعت صوت خطوات تأتي من الداخل. ظهر أمامها رجل في أواخر الثلاثينات. توقفت أنفاسها للحظة وهي تحدق في وجهه. “عمر؟!”

نظر إليها بدهشة وقال: “ليلى؟ إنتي بجد هنا؟”

 

كان “عمر” صديق طفولتها الذي لم تره منذ غادرت. جلسا يتحدثان لوقت طويل، يستعيدان ذكريات الماضي. حكت ليلى عن رحلتها، عن المدينة الكبيرة التي انتقلت إليها، وعن كيف شعرت دائمًا بأنها تائهة، رغم النجاح الذي حققته في حياتها المهنية.

 

“فاكر لما كنا نحفر تحت الشجرة في الجنينة عشان نخبي حاجاتنا السرية؟” قالت ليلى بابتسامة مليئة بالحنين.

“أكيد، دفنا هناك مفتاح وكنا نقول إنه مفتاح المستقبل.”

 

خرجا معًا إلى الحديقة. الشجرة ما زالت واقفة، رغم علامات السنين التي ظهرت عليها. حفرا تحتها وأخرجا صندوقًا صغيرًا. فتحه عمر ليجد بداخله مفتاحًا قديمًا وورقة صغيرة مكتوب عليها بخط طفولي: “المستقبل مش ممكن يبقى جميل غير لو كنا مع بعض.”

 

توقفت ليلى للحظة، تحمل الورقة بين يديها وهي تشعر بدموع تنزل على وجنتيها. “كنت فاكرة إن الهروب هيخليني أعيش حياة أفضل، بس كل حاجة جميلة تركتها هنا.”

نظر إليها عمر بعينين مليئتين بالحزن والرجاء. “يمكن السعادة دايمًا كانت هنا، بس محتاجة قرارك.”

 

مرت لحظات من الصمت قبل أن تبتسم ليلى وتقول: “يمكن دلوقتي جه الوقت إني أرجع فعلاً.”

 

أدركت ليلى أن الماضي ليس مجرد ذكريات، بل جزء من الحاضر والمستقبل. عادت لتبدأ من جديد، ليس فقط مع عمر، ولكن مع المكان الذي كان دائمًا بيتها الحقيقي.