كتبت منال ربيعي
قدرها الوحدة، تعرف ذلك جيدًا، فتلتف حول نفسها كأنها تحتمي بجناحين مهترئين لا يمنحانها الدفء، بل يعزلانها عن كل شيء. لا تخشى الاختلاف، بل ألفته حتى صار جزءًا من كيانها، ولا الرعب الذي يزحف إليها كل ليلة، يندس بين أضلاعها، يتنفس في صدرها، ويتهامس في أذنها بوعد قديم لا يتحقق أبدًا. حتى الحرب التي تندلع في داخلها لم تعد ترعبها، بل صارت طقسًا يوميًا اعتادت عليه، صارت تعرف متى يبدأ النزيف، ومتى تخمد النار لتشتعل من جديد.
هي مقاتلة، لكنها ليست من أولئك الذين يخرجون من المعركة سالمين. تهوى الصراع مع الخوف، راوغته طويلًا، جابهته في ليالٍ حالكة، قاومته حتى هشّمته، إلا درهمًا واحدًا ظل راسخًا في أعماقها، نواة صغيرة من الظلام تنمو حينما تخور قواها. في لحظات ضعفها، حين تظن أنها آمنة، يتمدد هذا الخوف كجذور سامة، ينهشها بلا رحمة، يلتهم أنفاسها، يطوقها كسلسلة محكمة، ويلقي بها على هامش الحياة، معلقة بين الموت والبقاء.
وحين تظن أنها انتهت، تعود. لكنها لا تعود كما كانت، بل كظل لما كانت عليه. تنسلخ من جلدها القديم، تتجرد من بقاياها المحترقة، وتكسو نفسها بريش جديد، بأجنحة أوسع، لكنها ليست أكثر أمانًا. تعود من رمادها، لكن الاحتراق لا ينتهي، والنيران لا تخمد تمامًا، فقط تهدأ لتعاود الاشتعال من جديد.
تعود، لكنها لا تنجو أبدًا… فقط، تتأجل نهايتها قليلًا.






المزيد
ثمن النجاة الأشياء التي خسرناها كي نستمر بقلم الكاتب هانى الميهى
لا تتعجل القلوب بقلم ابن الصعيد الهواري
نَزِيفٌ خَارِجَ المَدَار بقلم الكاتب فلاح كريم العراقي