مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

الخيط الرفيع بين المسؤولية فى الحب والتسلية بقلم سميرة السوهاجي  ‏

الخيط الرفيع بين المسؤولية فى الحب والتسلية بقلم سميرة السوهاجي

‏في زمنٍ صارت فيه الكلمات تُلقى كزينةٍ أمام المرآة، تفرّق بين ما يبدو حبًا وما هو حبٌ بحق. كلمة “حب” عند بعض الشباب صارت مجرد لافتة، تُرفع وتُخفض بحسب المصلحة والمُلْتَقى، وكأنها موضة يمكن تبديلها مع فلاتر الصور. لكن للحب اسمٌ أرفع، وعمقٌ لا يتحمّل الخفّة.

‏الحب في أصله الذي علمنا إياه الدينُ والضمير هو مودة ورحمة وسَكَن — كما ذكر القرآن حين وصفه بالمودة والرحمة، وإشارات النصّ ليست شعارات بل واقعٌ نبني عليه حياة كاملة. المودة تعني حنوًّا لا يجرّح، والرحمة تعني رأفةً لا تُذلّ، والسكن يعني ملاذًا وراحةً لا اضطرابًا مستمرًا.

‏هناك من يرى الحب مسؤولية: التزامٌ يوميٌّ، عملٌ على النفس، صبرٌ عند الخطأ، وصدقٌ في القول والعمل. من اختار هذا الطريق يعرف أن الحب يتطلب وضوحًا في النوايا، تواصلاً لا يغشّ، تقاسمًا في الأحلام والواجبات، واستعدادًا لحمل الأعباء حين يثق بأن الطرف الآخر سيقف بجانبه ليس فقط في لحظات البهجة بل في لحظات الاختبار.

‏وهناك من يراه تسلية: تجربة عابرة، إثارة وقتية، ومباراةً تُحكى للرفاق. هذا النوع لا يبني، بل يمرّ كالعاصفة ويترك أثراً من الجروح أو الذكريات الفارغة. من يُلجأ إلى الحب كترفيه غالبًا ما يختار السطحية ويخشى العمق، يتجنب المسؤولية لأنه يفضل الراحة السهلة على العمل المعقّد الذي يثمر علاقة ناضجة.

‏لكل منظورٍ جذور: بعض الشباب لا يعرفون بأخطائهم أن الذي يختزل الحب في كلمات رنانة لم يتعلّم كيف يقدّم حبًا عمليًا — كيف يُحترم الوقت، كيف يُحفظ الوعد، كيف تُراعى المشاعر في أفعال صغيرة لكنها ثابتة. وبعض الآخر يختار المسؤولية لأن تجربته، أو تربيتُه، علمته أن الحب غرسٌ يحتاج ريًّا دائمًا.

‏لا نقف عند الثنائية فحسب. هناك زوايا أخرى يجب أن نوضحها:

‏الثقافة والمؤثرات: شبكات التواصل تبسّط حبًّا معقّدًا. تروج للقاءات السريعة، للدراما، ولصورٍ مُنسّقة. هذا لا يعني أن كل علاقة عبر الإنترنت باطلة، لكن عليه أن يتحوّل إلى التزام واقعي لا يبقى محصورًا في اللايكات والتعليقات.

‏النضج العاطفي: الحب يزداد عمقًا مع نضج القلب. القدرة على الاعتذار، مواجهة الخلاف دون تجريح، وتحمل مسؤولية الخطأ ليست علامات ضعف بل نِعمة منّ بها الزمن على القلوب.

‏القيم والدين: حين يكون الحب مرسومًا على أساس من القيم؛ الاحترام، العفاف، الشفافية — يصبح قوةً تبني مجتمعًا صحيًا. الحب ليس إخفاقًا إن وضعنا حدودًا لهحمايته، وليس تراجعًا إن اخترنا الانتظار الصحيح لأجل مستقبلٍ مشتركٍ صادق.

‏الجانب العملي: الحب لا يكفيه الشعور وحده؛ يحتاج إلى لغة تواصل، إدارة للنقود اليومية أحيانًا، تفاهم حول الأولويات، ورغبة مشتركة في بناء منزلٍ وحياة. غياب هذا الجانب يحوّل أروع العواطف إلى حلم هش.

‏الاختيار والحدود: الحب مسؤولية عندما يكون اختيارًا واعيًا. أن أختارك مع علمي بعيوبك، ومع رغبتي في العمل معك لتجاوزها، أرى فيه معنىً أعمق من مجرد انجذابٍ عابر. وأيضًا لا نجعل الحب ذريعة لتجاوز الحدود أو تبرير الإساءة؛ الحب لا يتغذى على الهضم ولا يتحمّل الذل.

‏التحذير من التشدّق: كلمة حب ليستْ علّة يتشدّقون بها التافهون. لا تجعل لسانك مرتعًا للادّعاءات. الحب الحقيقي يُقاس بما يُقدَّم، لا بما يُقال؛ يُقاس بالوفاء، وبحماية كرامة الآخر، وبثبات السلوك يومًا بعد يوم.

‏وأخيرًا، نصيحتي المباشرة للشباب: إن أردتم أن تَحبّوا فلا تستهينوا بتعليم أنفسكم كيف تكونون مسؤولين عنه. علّموا قلوبكم الصدق، وعلّموا أيديكم البناء، وعلّموا ألسنتكم حفظ العهود. اجعلوا من الحب ملاذًا، لا لعبةً؛ سرًّا يربّي، لا معرضًا للمظاهر. الحب مسؤوليةٌ فاخرة — من يتحمّلها يملك مفتاح سكنٍ حقيقي للروح.