مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

إنكسار ضوئي – الكاتبة مريم جمال

إنكسار ضوئي
مريم جمال

في تلك الليلة، لم يتغير العالم.. لكنني تغيرت إلى الأبد.
كان القمر منحنياً كحاجبٍ عابسٍ يرشُّ نوره البارد على شرفتي الضيقة، حيث وقفتُ كتمثالٍ من الملح، أتلقى أنفاسي الأخيرة
قبل الغرق. هاتفي يرتجف في كفي كعصفورٍ جريح، رسائلها تقطرُ سموماً
وداعاً.. لم أعد ذلك الشخص الذي عرفته:
حاولتُ أن أذرف دمعةً فأبت عيناي، كأنما تحولتا إلى صحراء قاحلة تأبى أن تُنبت حتى الشوك.
حولَـي، كانت الحياةُ تجري كالنهرِ الذي لا يعرفُ توقّفاً ضحكاتُ الجيران تتدافعُ من النوافذ المشرعة، رائحةُ البُنِّ المحمصِّ تعانقُ هواءَ الليل، قطّةُ الشارعِ تتدحرجُ تحتَ أقدامِ بائعِ الفول. كلُّ شيءٍ في مكانه.. إلا أنا.
أغلقتُ الهاتفَ ببطءٍ أشبهَ بدفنِ طفلٍ رضيع، ثم أودعتهُ درجَ مكتبي العتيق بينَ دفاترَ دراسيةٍ يبستْ أحلامُها، وكتبٍ أدبيةٍ شاختْ حكاياتُها. التفتُّ نحوَ القمرِ مجدداً، فاكتشفتُ لأولِ مرةٍ أن نورَه ليسَ نقياً كما ظننتُ، بل تُخترقُه شقوقٌ داكنةٌ كجراحٍ لم تندمل.
“يابنتي.. الشايُ يُبردُ”.. صوتُ أمي اخترقَ الصمتَ كسهمٍ من نور. نزلتُ إلى المطبخِ حيثُ كانت تقفُ أمامَ الموقدِ ككاهنةٍ في محرابها، ترفعُ إبريقَ النحاسِ بيدٍ مرتجفةٍ من السنين. “كنتَ كالغائبِ عن العالم” قالتْ وهي تُراقبُ وجهي بعينَيْنِ تعرفانِ قراءةَ ما لم أنطقْ به.
“مجردُ أفكارٍ عابرة” تمتمتُ، ورائحةُ الياسمينِ تتسللُ من النافذة.
أدارتْ رأسها نحوَ النافذةِ حيثُ كانَ القمرُ يُكمّلُ دورتَه الأبدية: “الحياةُ مثلُ هذا الضوءِ القمري.. يُخفي عيوبَه وراءَ بهائه، ويُظهرُ جمالَه رغمَ شقوقِه”.
في الصباحِ التالي، استيقظتُ على صوتِ أذانِ الفجرِ ينسابُ كالندى بينَ البيوت. خرجتُ إلى الشرفةِ ذاتِها.. العالمُ كانَ كما هو: بائعُ الصحفِ يصرخُ بعناوينَ مكرورة، ساعي البريدِ يتسلقُ الدرجَ بخطواتٍ مثقلة، طفلةٌ صغيرةٌ تُلوّحُ لي من الشرفةِ المقابلة. لكنني لم أعدْ ذلك الفتاه الذي تنتظرُ الرسائلَ كالماءِ في الصحراء.
تعلمتُ أن أنظرَ إلى القمرِ بعينَيْنِ جديدتَيْن.. عينَيْنِ تعرفانِ أن النورَ الحقيقيَّ لا يُولدُ من السماء، بل ينبثقُ من الشقوقِ التي نصنعُها بأنفسِنا. العالمُ لم يتغيرْ.. لكن بصيرتيَ انكسرتْ كالزجاجِ لتُضيءَ أكثر