كتبت مريم جمال
كانت أوراقُ الخريف تتساقطُ كرسائلَ لم تُقرأ، وأنا واقفٌ عند حافةِ الذاكرة، أحاولُ التقاطَ ما تبقّى من أشلاءِ اللحظات. كلُّ ورقةٍ تسقطُ كانت يومًا أغنيةً في فمِ الحياة، والآن صارتْ مجرّدَ همسةٍ في مهبِّ النسيان.
القهوةُ أمامي تبردُ ببطء، كما يبردُ القلبُ حين يعرفُ أن الهجرَ نهائيٌّ هذه المرّة. أتذكّرُ كيف كنّا نضحكُ على أولئك الذين يجلِسونَ في المقاهي وحدَهم، والآن صرتُ واحدًا منهم.. كائنًا من زجاج، يخافُ أن تحطّمه أيُّ نسمةٍ عابرة.
في الزاويةِ البعيدة، جلستْ امرأةٌ تحملُ في عينيها كلَّ أحزانِ العالم. نظرتُ إليها طويلًا، وتساءلتُ: هل فقدتْ هي الأخرى شخصًا ما؟ أم أنَّ الدنيا كلَّها صارتْ مقبرةً جماعيّةً للأحلام؟
المطرُ بدأ يهطلُ فجأةً، فانسحبَ الناسُ إلى الداخل، بينما بقيتُ أنا في مكاني. ربما لأنّي تعوّدتُ على البلل، أو لأنّي أعرفُ أنَّ بعضَ الجروحَ لا تُغسلُها أمطار.
هكذا هي الحياةُ.. ترمينا في محطّاتٍ لا نريدها، ثم تبتسمُ ساخرةً حين نبدأ بالاعتياد عليها. لكنّي ما زلتُ أبحثُ عن تلك الورقةِ الأخيرة من خريفِ عمرنا، علّني أجدُ فيها كلمةً واحدةً لم تقرأها عيناكِ يومًا.






المزيد
البعدُ قتال بقلم مروة الصاوي علي عبدالله
لـو كـان بإمكانـي بقلـم الكـاتبـة نُسيـبة البصـري
أنت وأنا، بشر بقلم مريم أشرف فرغلي