أنا كا الماء
الكاتب هانى الميهى
أنا كالماءِ، أبدو هادئًا على السطح، رقيقًا في الملمس، غير أنّي أحمل في أعماقي سرَّ البقاء وقوة الانتصار.
لا تحطمني الصخور، ولا توقفني الجبال، فإن اصطدمتُ بعائقٍ التففتُ حوله، وإن أُغلقت أمامي السبل تسللتُ من بين شقوقها، وصنعتُ لنفسي دربًا جديدًا لا يعرفه غيري.
أنا كالماءِ؛ لا يعرف الجمود إلى كياني سبيلًا، ولا يقوى السكون على حبسي طويلًا. إن ضاقت الأرض أمامي، وجدتُ سماءً تحتويني، وإن حُبستُ في آنيةٍ ضيّقة، حملتُ شكلها ما شئتُ، ثم تحررتُ حين يحين الأوان.
أنا الذي لا يُكسر بالشدّة، ولا يُهزم بالعنف، لأني لا أقاوم كالصخر، بل أنساب كالحياة نفسها.
قد أبدو ضعيفًا لمن لا يُبصر، فيراني ساكنًا ساكتًا، غير أنّه يغفل أنّ قطراتٍ متتابعة تُفتّت أصلب الحجارة، وأن صبري ليس خضوعًا، بل حيلةٌ ربانية تُمهّد للنصر المؤكد.
أنا الذي أُطفئ لهيب النار، وأُحيي ما مات من زرعٍ وأرض، ثم إن شئتُ أغرقتُ المدن والسهول، فجمعتُ في ذاتي نقيضَين: الرفق والجبروت.
أنا الماء؛ كتابٌ مفتوح لمن أراد أن يتعلّم كيف يكون البقاء. علّمتُ الكون أن المرونة أعظم من الصدام، وأن الانحناء في وجه العاصفة ليس هزيمة، بل سبيلٌ للثبات حتى تنقضي.
أنا الذي يسري في العروق حياةً، وفي الأودية أنهارًا، وفي البحار أسرارًا.
أنا رمزُ التجدّد، فلا يشيخ لي وجه، ولا تنطفئ لي روح، وإن تكررَ مرآي في العيون، فإنني كل يومٍ أعود جديدًا.
لا تحسبوا سكوني غفلة، ولا صفائي ضعفًا؛ ففي العمق تياراتٌ خفيّة، وفي الجوف قوّةٌ هادرة تنتظر لحظة البوح.
أنا الماء: سرُّ الوجود، وصوتُ الحياة، وشهادةُ أنّ كل ما يلين لا يُقهر، وكل ما يتجدد لا يزول.






المزيد
اليس غريبا بقلم هاجر أحمد عبد المقتدر
صناعة الكتاب إلى أين بقلم سها مراد
قلوب بقلم ايمان الفقي