مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

أطيافُ الغياب… ونورُ العودة بقلم الكاتب فلاح كريم العراقي

أطيافُ الغياب… ونورُ العودة

الكاتب: فلاح كريم العراقي

 

في بداية الطريق، كنتُ أظن أن العالم ملكٌ لمن يعرف كيف يظهر نفسه،

أن الصورة التي نصنعها أمام الآخرين كافية لتحملنا فوق الألم،

لكنّي اكتشفت سريعًا أن خلف كل ابتسامةٍ،

هناك بحرٌ من الصمت يبتلع الروح،

وقلبٌ يصرخ بلا صوت.

كانت الأيام تمضي على إيقاع توقعات الآخرين،

كل كلمة، كل حركة، كل نظرة،

كأنّها عقودٌ تُربط على صدر قلبي،

تشدّه إلى الماضي الذي لم يغب فعلاً،

بل ظلّ يراقبني من خلف الزوايا،

يختبئ في تفاصيل الروتين،

ويعود في وجوه أحببتهم يومًا،

في كلمات قيلت ببرود،

وفي عيونٍ كانت يومًا وطنًا للثقة.

ثم حدث اللقاء…

ذلك الصمت الذي جاء كنافذةٍ صغيرة في جدار العزلة،

لم يكن صاخبًا، ولم يطالب،

بل حمل وعدًا هادئًا بأن هناك من يستطيع أن يرى الألم من دون أن يحكم،

أن يكون حاضراً من دون أن يسرق مكانك،

أن يترك قلبك يلتقط أنفاسه المفقودة.

مع كل يوم، بدأت جدران قلبي المتصدعة تتسع قليلاً،

ولا أقول إنها اختفت، فالذكريات لا تموت،

لكنها صارت مجرد ظلٍ،

والظل لا يمكنه أن يجرحك مثل الحقيقة.

أدركت أن الإنسان لا ينسى ما كان،

ولا ينبغي له أن يحاول،

فالنسيان قد يكون موتًا مؤقتًا للروح،

أما حمله برفق، فذلك فنٌّ نادر:

فنّ أن تحمي نفسك من الجرح،

ونفس الوقت تحافظ على صدى الحب الذي جعلك إنسانًا.

وفي هذا الطريق، علمتُ أن الثقة لا تُشترى،

وأن الحب الحقيقي لا يطلب منك أن تمحو الماضي،

بل أن تعيش مع ما كان، وتترك للحياة أن تنسج من جديد.

اليوم، وأنا أستعيد خطواتي،

أرى كم كنتُ ضعيفًا حين اعتقدتُ أن القوة خارجيّة،

وكم كنتُ وحيدًا حين ظننت أن من حولي يعرفون قلبي،

أدركت أن الضوء الحقيقي

لا يأتي من التصفيق، ولا من المكانة،

ولا من الشهادة التي يمنحها الناس لك،

بل من الداخل، من ذلك الصوت الخافت الذي يقول:

“أنا هنا، أستحق أن أعيش، أن أحب، أن أعود”.

وهكذا، بين رماد الألم ودفء الأمل،

أتعلّم أن الماضي ليس نهاية،

وأن القلب مهما انهار، مهما خذلته الأيام والوجوه،

يبقى قادرًا على النبض من جديد،

أن يخلق من الظل نورًا،

ومن الغياب حضورًا،

ومن كل ما ظننّاه خسارة، فرصةً للحياة