كتبت منال ربيعي
في بحر إيجة، حيث ترتمي الشمس في أحضان المياه الفيروزية، قامت جزيرة مخفية عن أعين البشر، كأنها حلم ولده البحر ذاته. كانت جزيرة الجنيات، حيث الجمال مطلق، وحيث لا يعرف أهلها سوى النقاء والسلام. أشجارها تهمس مع الريح، وطيورها تغني للأفق، ومياهها تعكس ضوء النجوم كأنها مرآة للسماء.
وفي قلب تلك الجزيرة، عاشت ياقوت، أجمل الجنيات، بشعر يتدرج بين ألوان الغروب، وعينين واسعتين كبحر بلا نهاية. لم تعرف ياقوت الحب يومًا، إذ كانت الجنيات لا تعرف الشوق، بل كنّ كزهور تتفتح دون أن تحتاج لأحد.
لكن ذلك تغيّر حين جاء البشر…
جاءوا على متن سفينة ضخمة، أشرعتها تنحت الهواء، وعيون رجالها تبحث عن الكنز. ظنوا أن الجزيرة تخبئ الذهب، لكن ما لم يعلموه أن كنزها الحقيقي لم يكن شيئًا يُمتلك، بل كان روحها ذاتها.
ومن بين هؤلاء البشر، كان داوود، بحّار ذو عينين زرقاوين تعكسان صفاء السماء. لم يكن كرفاقه، لم يكن يبحث عن كنز، بل عن شيء لم يفهمه حتى رأى ياقوت. لمحها بين الأشجار، لمسة من نور في ظل الغابة، فشعر كأن قلبه قد تاه في البحر من جديد.
أما هي، فكانت تراقبه من بعيد، قلبها لم يعرف الخوف من قبل، لكنه الآن يعرف الاضطراب. كانت تعلم أن البشر جلبوا الخراب دومًا، لكن داوود… كان مختلفًا.
حين بدأ البشر يقطعون الأشجار ويطاردون الطيور، غضبت الجنيات، وخرجوا من خفاء الريح. وقفت ياقوت معهم، ورفعت يديها نحو البحر، فاستجابت الأمواج لصوتها، هاجت وتحولت إلى جدران عالية ابتلعت السفينة. صرخ الرجال وهربوا، صارخين أن الجزيرة ملعونة، واختفت جزيرتهم في الضباب.
لكن حين انقشع الضباب، وجدت ياقوت أن داوود لم يهرب. كان واقفًا وحده، كأنه منذ الأزل هنا، ينظر إليها بعينيه العميقتين، يراها كما لم يرها أحد.
“لماذا بقيت؟” همست، وصوتها كان رذاذ الموج.
“لأني رأيتك، ورأيت جمالًا لم أعرفه من قبل.”
تقدمت نحوه، وكان الهواء بينهما ممتلئًا بشيء لم تختبره يومًا. “لكن البشر لا يمكنهم العيش هنا.”
“إذن، اجعليني مثلكم. لا أريد أن أكون بشريًا بعد اليوم. أريد أن أبقى معك، في هذا النور، إلى الأبد.”
نظرت إليه ياقوت، كان طلبه أشبه بتحدٍ للقدر، إذ لم يحدث أن صار بشريٌّ من الجنيات، ولم يجرؤ أحد على حب كهذا. لكن قلبها، الذي لم يعرف الخوف يومًا، عرف الآن اليقين.
اقتربت، رفعت يدها إلى وجهه، همست بكلمات بلغة لم تسمعها الرياح منذ الأزل، وعندها… أضاء نور ناعم، تلفح وجه داوود كقبلة من الآلهة. شعره صار حريرًا كأمواج البحر، جلده أخذ بريق اللؤلؤ، وحين فتح عينيه، لم تعدا تعكسان البشر، بل الجنيات.
أمسكت بيده، وقالت بصوت يشبه همس المدّ والجزر: “الآن، أنت لي، وأنا لك، للأبد.”
ومنذ ذلك اليوم، صار داوود أسطورة، همسة تتردد بين الأمواج، ورجلاً لم يعد إنسانًا، بل صدى لحب تحدى قوانين العالم. ويحكى أن البحارة، في الليالي التي يضيء فيها القمر بحر إيجة، يرون ظلين يرقصان على صفحة الماء، كأنهما وعدٌ خالد، لم يستطع الزمن أن يمحوه.






المزيد
حين تتبدل القلوب بقلم ابن الصعيد الهواري
هل تمنيت العودة يوما بقلم سها مراد
حين يساومك المستحيل بقلم فاطمه هلال