كل هذه القوة تجعلنى أختنق
بقلم الكاتب هانى الميهى
الفصل الخامس عشر
لم أعد أبحث عن تفسير لكل ما حدث. مضى وقت طويل وأنا أفتش فى الماضى، أراجع التفاصيل، وأعيد ترتيب المشاهد، كأننى إذا فهمت البداية سأغيّر النهاية. لكننى اكتشفت أن بعض الأسئلة لا خُلقت لتُجاب، وإنما خُلقت لتغيّر الإنسان وهو يبحث عنها.
كنت أظن أن القوة تعنى أن أستطيع الاحتمال أكثر من غيرى. أن أُخفى وجعى، وأبتلع خوفى، وأواصل السير حتى لو لم يبق داخلى ما يكفى لخطوة أخرى. وكلما نجحت فى ذلك، أقنعت نفسى أننى أصبحت أقوى. لم يخطر ببالى يومًا أننى كنت، فى الحقيقة، أبتعد عن نفسى خطوة بعد أخرى.
لم تكن المشكلة فى القوة، بل فى الثمن الذى كنت أدفعه لها. كنت أتنازل فى كل مرة عن جزء صغير من إنسانى. أؤجل دمعة، وأؤجل كلمة، وأؤجل طلبًا للمساعدة، وأؤجل اعترافًا بالتعب، حتى امتلأت حياتى بأشياء مؤجلة، ولم أعد أعرف متى سأعود لأعيشها.
الغريب أن الإنسان لا يشعر بالاختناق فى اللحظة التى يحمل فيها الحمل، بل فى اللحظة التى ينسى فيها أنه يحمله. عندما يصبح التعب عادة، والصمت عادة، والابتسام عادة، يتوقف عن السؤال: هل أستطيع؟ ويبدأ فى سؤال نفسه: لماذا لم أعد أشعر بشىء؟
ربما لهذا السبب كنت أبدو ثابتًا أمام الجميع. لم يكن الثبات شجاعة دائمًا، بل كان أحيانًا خوفًا من أن يسقط كل ما بنيته إذا سمحت لنفسى بلحظة صدق. كنت أخشى أن يروا الإنسان الذى يختبئ خلف الصورة، مع أن ذلك الإنسان هو الحقيقة الوحيدة التى كانت تستحق أن تُرى.
الآن فقط أفهم أن القلب لم يُخلق ليكون حصنًا لا يُهزم، ولا جبلًا لا تهزه الرياح. خُلق ليخفق، وأن يتعب، وأن يستريح، وأن يضعف، ثم يستعيد قوته من جديد. أما القوة التى لا تعرف الراحة، فهى ليست قوة، بل استنزاف بطيء لا يترك فى النهاية سوى إنسان أنهكه الدفاع عن نفسه.
لقد مررت بمحطات كثيرة. احتجز العالم فى حنجرتى، وابتلعت جبالًا لم يرها أحد، واشتهيت دمعة لم تجد طريقها إلى عينى، وظن الناس أننى جبل، بينما كنت أبحث فى داخلى عن مكان أجلس فيه دون أن أقاوم. وكل محطة كانت تقول لى شيئًا واحدًا، لكننى لم أكن مستعدًا لسماعه.
لم تكن الحياة تطلب منى أن أكون بطلًا. كنت أنا من يطالب نفسه بذلك. كنت أظن أن قيمتى فيما أتحمله، لا فيما أشعر به. وأن احترامى لنفسى يزداد كلما أخفيت أوجاعى أكثر. حتى اكتشفت أن الإنسان لا يخسر حين يبكى، ولا حين يعترف بتعبه، وإنما يخسر حين يقنع نفسه أن إنسانيته عبء يجب أن يتخلص منه.
اليوم، لا أريد أن أكون أقوى من الأمس، ولا أضعف منه. أريد فقط أن أكون صادقًا معه. فإذا تعبت، قلت إننى تعبت. وإذا ضاقت بى الحياة، اعترفت بذلك. وإذا احتجت إلى يد تمتد نحوى، فلن أعتبرها هزيمة، بل رحمة.
ربما لن تصبح الحياة أسهل، وربما ستبقى الخسارات جزءًا من الطريق، لكننى تعلمت أن أثقل ما يمكن أن يحمله الإنسان ليس الحزن، ولا الفقد، ولا الخيبة… بل الصورة التى يفرضها على نفسه، ثم يقضى عمره كله يحاول ألا تسقط.
وهكذا فهمت أخيرًا أن الجملة التى بدأت منها الحكاية لم تكن عنوانًا لكتاب، بل كانت عنوانًا لرحلة كاملة…
كل هذه القوة تجعلنى أختنق.
النهاية






المزيد
أنتِ والأيام… بقلم الكاتب فلاح كريم العراقي
الخسارة بشرف… انتصار في أعين الوطن بقلم ابن الصعيد الهواري
لا تحزن، الله معنا ! بقلم سها مراد