كتبت: خولة الأسدي
شاهدتُ فيلمين، أحدهما كان يحكي عن أربع أخواتٍ، هنَّ: “لبلبة، وليلى علوي، وسوسن بدر، وهايدي كرم”، وشقيقٍ لم يظهر، لكن كان يؤدي دوره بيومي فؤاد، والذي بسبب وفاته تجتمع الأخوات الأربع وأسرهنَّ في منزل والدهنَّ، الذي كان يقطنه الشقيق المتوفى.
ما يهمني أنا، بعيدًا عن جمال الفيلم وواقعيته التي جعلتني أشعر أنه يصف حال أغلب الأسر، وبغض النظر أيضًا عن ملاحظاتي السلبية، ما لفت نظري كانت شخصية “ندى”، التي تجسدها هايدي كرم، والتي يُفترض أن تكون الأخت الأصغر والأجمل. لكنها، ورغم ما تمتلكه من مميزات، تُعتبر أكثر الشخصيات ضعفًا في الفيلم، ومهزوزة الثقة بنفسها إلى حدٍّ جعلها ذات تصرفاتٍ مترددةٍ اتكالية، تدفع جميع من حولها إلى النفور منها، وعلى رأسهم زوجها، الذي أدى دوره خالد سرحان، وكان السبب الرئيس في وضعها، كما بيّنت الأحداث، التي لم تُشر إلى طفولةٍ بائسة.
وفي الفيلم الآخر، كان رامز جلال يؤدي دورين لتوأمين؛ أحدهما عاش مع والده، الذي كان يحطِّم ثقته بنفسه طوال الوقت، والآخر مع والدته، التي كانت تقوم بالعكس، فجعلته إنسانًا متصالحًا مع نفسه وعيوبه. وبطبيعة الحال، استطاع نقل تقديره لنفسه إلى من هم حوله، فكانت النتيجة أن أحبته فتاةٌ شاميةٌ جميلة، والدها زعيمٌ في المافيا. ولم يكن أيٌّ منهما يرى الأمر غريبًا؛ لا هي رأته بشعًا بوزنه المبالغ فيه وشخصيته شبه المستهترة، ولا هو رآها شيئًا أبعد من أحلامه، كما كان توأمه ينظر إلى حبيبته وزميلته في العمل، والتي لولا ظهور توأمه في الأحداث ومساعدته له، لما حظي بها رغم حبه لها لسنواتٍ تقريبًا!
وهكذا جعلت منه تربية والده شخصيةً منطوية، لا ترى لنفسها حقًّا في شيء، مستعدةً للتنازل حتى عن حقوقها، كما كان سيفعل حينما نسب مديره في العمل فكرته المميزة إلى نفسه، فاستسلم دون أن يعترض بكلمة، بل وقبل ذلك عرض على حبيبته أن تقدم الفكرة على أنها فكرتها، وهذه أقصى مراحل انعدام التقدير للذات، التي جعلته، لا شعوريًّا، يحرِم نفسه من أي نجاحٍ أو تقدير، كونه في أعماقه لا يرى نفسه إلا كائنًا فاشلًا، كما كان والده يردد على مسامعه منذ طفولته.
في هذا الفيلم، أتى التوأم الآخر ليعيد لشقيقه ثقته الضائعة، وجعله يؤمن بأنه يستحق الحب والنجاح، رغم أن هذا الشقيق بالفعل كان له الكثير من المميزات أكثر مما للآخر. لكن المفارقة كانت هنا؛ تخبرنا أن تقدير الذات والثقة بالنفس قد يجعل العادي مميزًا، وفقدانهما يجعل المميز أقل من عادي.
وانتهى الفيلم دون أن نعرف: هل استعاد الشقيق البائس ثقته المدمَّرة بفعل تربية والده الخاطئة؟
وهل يمكن لأشخاصٍ آخرين أن يصلحوا مثل هذه الأمور، التي يتم قتلها في الطفولات الشقية؟
أم أنها تلازم الشخص طوال حياته؟
أما في الفيلم الأول، فشخصية ندى لم تحظَ بمعاملةٍ مختلفة في طفولتها أدت إلى ما رآه المشاهد، بل كان السبب زوجًا مستهترًا نرجسيًّا، ليس له من المميزات شيءٌ ليستحق أن تتعلق به مثل تلك الزوجة ذلك التعلق المرضي، الذي حوَّلها إلى كائنٍ مشوه الروح والحضور، لا يستمتع بحياته، ولا يستمتع من حوله بوجودهم بقربه.
قالت له حين عرفت أنه كان يخطط للزواج عليها مرةً أخرى: “أنا بقيت خايفة منك”.
وهكذا، حين يكون أحد طرفي علاقةٍ ما يخشى الآخر حد الخوف، فمن الطبيعي أن يفقد عفويته. وذلك ما كانت عليه شخصية ندى؛ شخصيةٌ تصرخ تصرفاتها بأن هذا الكائن ظلٌّ مشوَّهٌ لما كان عليه. شخصٌ سُرقت منه عفويته، فعاش بخوفٍ لا يعلم أي تصرفٍ هو الأصح، يخشى أن يكون ذاته كي لا يخسر من حوله، وأهمهم الزوج المريض.
وهنا رأينا حالتين فاقدتين للثقة بالنفس: إحداهما ضحية الأب، والأخرى ضحية الزوج.
فيكون السؤال: هل مشكلة عدم تقدير الذات سببها الوحيد هو الطفولة السيئة وكلمات الوالدين المحطمة؟ أم أن الأمر يرتبط بأكثر الأشخاص قربًا من أرواحنا، ومدى تأثيرهم علينا بآرائهم في شخصياتنا، سواء كانوا آباءً، أو شركاء حياة، أو سواهم؟
ومن جواب هذا السؤال، نستنتج أهمية الدعم الأسري في تشكيل الشخصية الناجحة، السعيدة، الواثقة، السوية، المتصالحة مع ذاتها، وكنتيجة طبيعية، مع العالم من حولها.






المزيد
الخوف الذي أنقذنا… ثم سجننا بقلم الكاتب هانى الميهى
هيباتيا بقلم كلثوم الجوراني
رب كريم… عبد فقير بقلم: أسماء أحمد