مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

الطيبة التي تُستغل

الكاتب / عمرو سمير شعيب

في المجتمعات التي تُقاس فيها القيمة بما يُنتَج لا بما يُحَسّ، تتحول الطيبة من فضيلة إنسانية إلى مورد قابل للاستهلاك. لا يُنظر إلى الخير بوصفه اختيارًا أخلاقيًا حرًا، بل كقابلية للاستغلال، كمساحة مفتوحة يمكن للآخرين أن يتحركوا داخلها دون مساءلة. الطيبة هنا لا تُكافأ، بل تُفهم خطأً، وتُعامَل كضعف غير معلن.

يبدأ الاستغلال حين تُفصل الطيبة عن الوعي. فالإنسان الطيب لا يُساء إليه لأنه يمنح، بل لأنه يمنح دون أن يضع حدودًا. في مجتمع نفعي، لا يُسأل: لماذا أعطيت؟ بل: لماذا لم تحمِ نفسك؟ وهكذا تُحمَّل الضحية مسؤولية ما فُعل بها، ويُعاد تعريف الخير بوصفه سذاجة، لا اختيارًا أخلاقيًا واعيًا.

من الناحية النفسية، الطيبة غالبًا ما تكون امتدادًا لحاجة عميقة إلى القبول. بعض الأشخاص يمنحون أكثر مما يحتملون لأنهم تعلّموا باكرًا أن قيمتهم في عطائهم، وأن الحب يُكتسب عبر التنازل. المجتمع النفعي يلتقط هذه الثغرة جيدًا، ويعيد إنتاجها؛ يكافئ الطيبة حين تخدم مصالحه، ويتخلى عنها حين تطالب بالإنصاف.

الخطير أن الطيبة المستغلة لا تجرح العلاقة فقط، بل تشوّه صورة الخير داخل النفس. الإنسان الذي يُستغل مرارًا يبدأ في الشك في فضيلته. يتساءل: هل كنت طيبًا أم ساذجًا؟ هل كان عطائي نابعًا من قوة أم من ضعف؟ ومع تكرار هذا السؤال، قد يتحول الدفاع عن الذات إلى قسوة، لا لأن الإنسان تغيّر، بل لأنه خاف أن يُستنزف مرة أخرى.

في مجتمع تحكمه المنفعة، يُعاد تعريف العلاقات بلغة غير معلنة: من يفيد أكثر؟ من يتحمّل أكثر؟ من يمكن الاعتماد عليه دون تكلفة؟ الطيب يصبح عنصرًا ثابتًا في هذه المعادلة؛ وجوده مضمون، وتنازله متوقَّع. وحين يقرر التوقف، يُفاجأ بالرفض أو بالاتهام بالجحود، كأن الخير كان عقدًا غير مكتوب لا يحق له فسخه.

لكن الطيبة الحقيقية ليست غيابًا للحدود، بل وعيًا بها. الخير الذي لا يحمي صاحبه يتحول إلى استنزاف، لا إلى فضيلة. من منظور نفسي، التعاطف لا يعني إلغاء الذات، والعطاء لا يفترض القبول بالأذى. المجتمع النفعي يخلط عمدًا بين الطيبة والضعف لأنه يستفيد من هذا الخلط.

استعادة معنى الخير تبدأ حين نُعيد تعريف الطيبة كقوة هادئة، لا كاستسلام. أن تكون طيبًا لا يعني أن تكون متاحًا دائمًا، ولا أن تُثبت إنسانيتك على حساب سلامك الداخلي. الطيبة الواعية قادرة على الرفض دون شعور بالذنب، وعلى الانسحاب دون حاجة إلى التبرير.

في النهاية، الطيبة التي تُستغل ليست فشلًا أخلاقيًا، بل نتيجة خلل اجتماعي يفضّل المنفعة على المعنى. والرهان الحقيقي ليس في التخلّي عن الخير، بل في تحريره من السذاجة، وفي حماية إنسانيتنا دون أن نضطر إلى خيانتها.