مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

ألم النسيان في الحياة 

Img 20240117 Wa0074

 

كتبت: زينب إبراهيم

في الفلسفة والطبّ شيءٌ اسمُه عتبة الألم أو Pain threshold، ويعني الحدَّ الأدنى من الشّعور الذي يبدأ عنده المرء بالإحساس بالألم.

 

بحيث أنّ وجعًا أقلّ منه لن يثير شعورك إطلاقًا ولن تحسّ به.

 

تختلفُ قيمةُ تلك العتبة من شخصٍ لآخر، وترتفعُ عند الإنسان الذي تعوّد على الألم.

 

بحيث أنّ على المؤثّر أن يكون أقوى لكي يشعرَ به مقارنةً بشخصٍ آخر لمْ يتعرّضْ خلال حياته لنفس المسيرة من الآلام، جسديًا ومعنويّا.

 

 

ولكنّ آفةَ حارتِنا النّسيان” نجيب محفوظ

كلّنا ننسى، وننسى أشياءَ لم نكنْ نتخيّل للحظة أنّها ستختفي من دائرةِ اهتمامنا.

 

بحيث أنّنا لم نلاحظ اختفاءَها من الأساس؛ وجوه أصدقاء المدرسة في الصفّ الأول، معلِّمينا القُدامى.

 

عندما وقفنا لنكتب على السبّورة لأول مرّة بخطّ مرتجف ونحن نتصبّب عرقًا، عندما قطعنا الشّارع وحيدين.

 

وحين كابدنا الخوف والقلق في ليالٍ طويلة وخلنا أنّ الشّمس لن تشرق علينا، وأشرقتْ.

 

كلّ الكلام الذي قيل كان محاولةً بائسة للالتفاف على فكرةٍ لئيمة، تؤرّقني كثيرًا هذه الأيّام، كإنسان بسيطٍ سيواجه مصيره الحتْميّ بالفناء وجهًا لوجه.

 

وسيستحيلُ عدَمًا في يومٍ ما. تؤرّقني فكرةُ أنّني قد أكون واحدةً من تلك الأشياء، أن يكون مصيري النّسيان.

 

كلّما ألحّ عليّ خاطرٌ من هذا القبيل أشعر بأنّني فَنيت بالفعل، والاعتراف بذلك ليسَ سهلا!.

 

يصعُب علينا أن نطلب من أحد ألّا يمسَّ مكاننا في ذاكرته دون أن نشعر بثِقلِ ذلك على أنفسنا وعلى الآخرِ. “لا تنسَني”؟

 

أشياءُ كهذه لا ينبغي أن تُقال. ولكنّني من الداخل، حتى حين لا أقول ذلك، يهمّني فعلًا ألا أُنسى كأيّ إنسان.

 

إنّه لمن الصّعب أن تُنسى، أن تستحيل عدمًا في ذاكرة شخص ما، بعد أن كنتَ له صديقًا، أو حبيبًا، أو أخًا.

 

لمجرّد أنّك غبتَ عن مدى نظرِه، وقد حدث ذلك لأشخاص كثيرين ممّا يزيد توجّسي من ذاك الهاجس.

 

حين أغمضُ عينيّ وأتخيّل صورتي المشرقة في عينيك وهي تبهتُ شيئًا فشيئًا ليحلّ مكانها العدَم.

 

يلوي ذلك ضلعًا في قلبي. حتّى حين يجمعك بي لقاءٌ أو اثنان لن يختلف شعوري: سأحبّ أن تتذكّرني دائمًا.