مجلة ايفرست الادبيةpng
ﺟﺎﺭ ﺍﻟﺘﺤﻤﻴﻞ ...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

الحلقة الثانية: الزيارة التي لم تكن في موعدها بقلم الكاتب هانى الميهى

الحلقة الثانية: الزيارة التي لم تكن في موعدها
الكاتب هانى الميهى

لم تكن سلمى تخشى لقاء أم كريم، ولم تكن ترى في قربه من أسرته عيبًا يحتاج إلى إصلاح. كانت تؤمن بأن الإنسان لا يبدأ حياته الجديدة بالتنكر لحياته القديمة، وأن الزواج الذي يطلب من صاحبه أن يقطع جذوره لا يمنحه بيتًا، بل يضعه أمام اقتلاع جديد.

لكنها كانت تؤمن أيضًا بأن المودة لا تعني أن تظل الأبواب مفتوحة في كل وقت، وأن حسن النية لا يغني عن مراعاة وقت الآخرين.

في مساء الخميس، أخبرها كريم هاتفيًا أنه سيزور منزلها بصحبة أمه. لم يسبق الخبر سؤال عن ملاءمة الموعد، ولم يصاحبه اعتذار عن قصر المهلة. قال الأمر ببساطة من اعتاد أن يرى زيارة أمه حقًا طبيعيًا لا يحتاج إلى ترتيب.

كانت سلمى قد خصصت مساءها لمساعدة صديقة تمر بظرف صعب، ووعدتها ألا تتخلف عنها. ترددت قبل أن تخبر كريم بارتباطها؛ لم تكن تريد أن يُفهم اعتذارها على أنه رفض لأمه، لكنها لم تكن تريد كذلك أن تتخلى عن وعد قطعته لمجرد أن موعدًا آخر فُرض عليها.

قالت له إنها كانت قد رتبت أمرًا سابقًا، وإنها كانت تتمنى لو أخبرها بزيارتهما في وقت أبكر.

ساد الصمت لحظة، ثم أجابها مستغربًا:

— إنها أمي يا سلمى، وليست غريبة حتى نحتاج إلى كل هذا الترتيب.

لم تكن الجملة عدائية، لكنها نقلت الحديث من مسألة الموعد إلى مسألة الوفاء. لم يعد الأمر متعلقًا بوقت سلمى، بل بما إذا كانت تعرف قدر أمه أم لا.

اعتذرت لصديقتها، وألغت موعدها، ثم عادت إلى المنزل لتستقبل ضيفتيها كما ينبغي. وحين وصلت أم كريم، أحاطتها بترحاب صادق، وأخذت تسألها عن تجهيزات الزواج والعمل والأثاث. كانت امرأة محبة، ترى في خبرتها رصيدًا من الحكمة، وتظن أن مشاركتها تفاصيل حياة ابنها وزوجته المقبلة صورة من صور الرعاية.

وحين عرفت أن سلمى بدأت عملًا جديدًا يتطلب أحيانًا ساعات إضافية، قالت بنبرة مشفقة:

— أسأل الله أن يوفقك يا ابنتي. لكن الزواج مسؤولية كبيرة، والبيت يحتاج إلى وقت واهتمام، مهما بلغت أهمية العمل.

لم تجادلها سلمى. كانت تدرك أن الكلمات لم تصدر عن رغبة في التقليل من شأنها، لكنها كانت تعرف أيضًا أن النيات الطيبة قد تضع الإنسان، من دون قصد، أمام دور لم يختره.

قالت:

— أتمنى أن ننجح في تنظيم حياتنا بحيث نحافظ على عملنا وبيتنا معًا، وأن تكون المسؤولية بيننا مشتركة.

ابتسمت الأم، بينما بادر كريم إلى الحديث عن تجهيزات الشقة، كأنه يريد أن يعيد الجلسة إلى مساحة لا خلاف فيها.

انتهت الزيارة بعبارات الود والدعوات الطيبة. لم يقع شجار، ولم يجرح أحد أحدًا، ومع ذلك بقي في نفس سلمى شعور غامض بأنها أمضت الأمسية كلها تثبت أنها جديرة بأن تُحترم اختياراتها، من غير أن يتهمها أحد صراحةً بأنها لا تستحق ذلك.

وفي اليوم التالي، أخبرها كريم أنه وعد أمه بأن يزورها كل يوم جمعة بعد الزواج. لم يكن يرى في الأمر ما يستحق النقاش؛ فالجمعة موعد عائلي اعتادوه، واستمراره في نظره امتداد طبيعي لحياة مستقرة.

سألته سلمى:

— هل اتفقت معها على ذلك قبل أن نتحدث نحن عن شكل أيامنا؟

قال:

— إنها أمي. ومن الطبيعي أن أزورها.

أجابته:

— لم أقل إن عليك أن تستأذنني لزيارة أمك. أنا أسألك عن شيء آخر: متى تصبح قراراتنا المشتركة قرارات نتخذها معًا، لا وعودًا نقدمها للآخرين ثم نطلب من أحدنا أن يتكيف معها؟

لم يجد جوابًا سريعًا. للمرة الأولى، شعر أن اعتراضها لا يتعلق بزيارة عائلية، بل بمعنى لم ينتبه إليه من قبل: أن الحياة المشتركة لا تُبنى فقط على حسن النية، وإنما على مساحة يملك الطرفان حق المشاركة في رسمها.

وفي تلك الليلة، اتصلت أمه لتخبره بأنها تحدثت إلى خالته، وأنهما اتفقتا على تناول العشاء معًا كل جمعة بعد زواجهما.

أغلق كريم الهاتف، وظل ينظر إلى الشاشة المظلمة.

لم يكن قد وعد أمه بعشاء عائلي فحسب؛ لقد سمح، من دون أن يقصد، بأن تتشكل ملامح حياة سلمى المقبلة في غيابها.

وللمرة الأولى، خطر له أن المشكلة قد لا تكون في طلب أمه، ولا في تحفظ سلمى، بل في أنه اعتاد أن يعد الأمور محسومة قبل أن يسأل نفسه: هل يملك وحده حق حسمها؟

كان يستطيع أن يتراجع عن وعده، لكنه خشي أن يجرح أمه. وكان يستطيع أن يطلب من سلمى القبول، لكنه بدأ يدرك أن ذلك سيجعلها تدفع ثمن وعد لم تشارك فيه.

وبين خوفه من إغضاب أمه وخوفه من خسارة رضا سلمى، اكتشف أن أصعب القرارات ليست تلك التي نختار فيها بين شخصين، بل تلك التي نتعلم فيها كيف نحب كليهما من دون أن نظلم أحدهما.