في مَهَبِّ الوعد
*تأمّلات في الحبّ والزمن ومصير الروح
ثَمّة وعود لا تكتب لتنجز
بل لتوقظ في النفس حياة لم تكن تعرف أنّها تنتظرها
وما إن تقع الكلمة في موضعها من القلب
حتى تتبدّل علاقتنا بما لم يحدث بعد
فنشرع في محبّة مستقبلٍ لم نبلغه
ونألف وجوهًا لم تأتي
ونمنح الغد من ثقتنا ما لا نمنحه للحاضر
ولعلّ هذه إحدى غرائب الإنسان أنّه يستطيع أن يتألّم من شيءٍ لم يقع
وأن يحنّ إلى أمرٍ لم يصبح يومًا من ماضيه
*حين وعدتني
لم أسألك عن الطريق الذي ستسلكه إلي
ولا عن المسافة التي تفصل خطاك عن عتبتي
فقد كان يكفيني أنّ في نيتك جهة تنتهي بي
ولم أدري أنّني
بتلك الطمأنينة البسيطة
قد سلّمت جزءا من مصيري إلى أمر لا سلطان لي عليه
ومنذ ذلك الحين
لم يعد الغد زمنا يمضي نحوي
بل صار موعدا أذهب إليه كلّ يوم
فأعود منه خالي اليدين وفي نفسي شيءٌ من الخجل كأنّني أُكثِر التردّد على بابٍ لا أملك برهانا على أنّ أحدًا ينتظرني وراءه
ولقد تأمّلت في طبيعة الانتظار فرأيت أنّه ليس انقطاعًا عن الحياة
كما قد يبدو للناظر
بل طريقةٌ أخرى في استهلاكها فالمنتظر يعيش يومه
غير أنّ جزءًا منه يظلّ غائبا عن يومه يستمع ولا ينصت تماما
ويضحك كأنّ ضحكته مستعارة
ويباشر شؤونه وفي داخله حارسٌ لا ينام
موكّلٌ بترقّب خبرٍ واحد
إنّه ينقسم على نفسه من غير أن يلحظ
جسدٌ يقيم في الحاضر
وروحٌ تُقيم في احتمال
أيّ سلطانٍ لهذه الكلمة التي نسمّيها وعدا كيف تستطيع أصواتٌ عابرة أن تُنشئ فينا هذا القدر من التعلّق
لعلّ السرّ أنّ الإنسان لا يطلب من الحبّ شخصًا يألفه فحسب
بل يطلب شاهدا على وجوده
عينا تراه فلا يشعر أنّ حياته حدثٌ عابر
وقلبا يختاره من بين وجوهٍ لا تُحصى فيجد في ذلك الاختيار معنى يخفّف عنه وطأة المصادفة
فإذا وعده المحبوب بالعودة
سمع في الوعد أكثر من العودة
سمع أنّه لم يكن عابرا
وأنّ مكانه في النفس الأخرى لم يكن وهمًا من أوهامه
ولكن
ماذا لو كان الإنسان قد أساء فهم حاجته
فظنّ أنّ عليه أن يُقيم في قلب غيره لكي يطمئنّ إلى وجوده
أليس في ذلك أن يجعل من الحبّ محكمةً يُعرض فيها قدره كلّ يوم
منتظرًا حكمًا لا يصدر عنه
إنّنا حين نبالغ في تعليق أنفسنا بإرادة الآخرين
لا نفقدهم وحدهم إذا ابتعدوا
بل نفقد شيئا من حريّتنا
لأنّنا نمنحهم
من غير أن نطلب منهم ذلك
حقّ تحديد هيئة أيامنا
ولستُ أقول هذا لأُبرّئ القلب من ضعفه
فالضعف بعض حقيقته وربّما كان أجمل ما فيه أنّه لا يُحسن الاقتصاد في شعوره
إنّما أقول إنّ للحنين حكمةً ينبغي ألّا تغيب عن صاحبه
أن يعرف ما الذي يشتاق إليه حقا
أإلى الإنسان الذي عرفه
بخصاله وحدوده وتقلّباته
أم إلى الصورة التي رسمها له في غيابه
فكم من محبٍّ انتظر عودة شخص
ولم يكن ينتظر في الحقيقة إلا عودة المعنى الذي أسبغه عليه
وكم من قلبٍ ظلّ يحرس وعدا
لأنّ سقوط الوعد كان سيُلزمه بأن يعيد النظر في حكايةٍ بنى عليها شيئا من نفسه
أخشى أنّ أكثر ما يُوجعنا في الخيبة ليس انكسار الأمل
بل انكشافنا أمام أنفسنا بعده
نكتشف مقدار ما أضفناه إلى كلمةٍ لم تتّسع لكلّ ذلك المعنى
وكم من مستقبلٍ شيّدناه على نيّةٍ لم نعرف قطّ أكانت راسخة أم عابرة عندئذٍ يعود العقل إلى موضعه متأخّرا كعادته
ويبدأ في إحصاء ما فات
لكنّ القلب لا يقبل الحساب
لأنّه لا يقيس ما عاشه بما تحقّق منه
بل بما كان يظنّ أنّه سيحدث
وهنا يتبدّى لي أنّ الوفاء
على جلال اسمه
قد يُساء فهمه أيضا
فليس كل من بقي وفيا لانتظاره قد حفظ المحبّة
كما أنّ الرحيل لا يعني دائما أنّ صاحبه جحدها
قد يكون البقاء شجاعة حين يكون الوعد حيا
وقد يصير عجزا حين لا يبقى منه سوى الذكرى
وليس للإنسان أن يحكم على قلبه بميزان الصبر وحده
فالصبر فضيلة إذا أعاننا على احتمال الحقيقة
أمّا إذا أعاننا على الفرار منها
فقد صار ستارا نختبئ وراءه
ومع ذلك
لا أستطيع أن أندم على الوعد الذي صدّقته
ولا على الرجاء الذي جعلني أرى في الأيام وجهًا آخر
فليس من العدل أن نُدين أنفسنا لأنّنا أحسنّا الظن
ولا أن نُحوّل خيباتنا إلى أحكامٍ على كلّ ما قد يأتي
لقد كان في الانتظار
على ما حمله من مشقّة ما كشف لي عن خفايا لم أكن لأبلغها في حياةٍ سهلة
علّمني أنّ الروح قد تتّسع لما يفوق طاقتها وأنّ الإنسان لا يعرف مقدار تعلّقه بشيءٍ حتى يوشك أن يفقده
غير أنّني لم أعد أطلب من الغد أن يبرّر لي الأمس
ولا من عودتك أن تُثبت أنّني كنت محقا في انتظاري
فإن جئت
أريد أن ألقاك كما يلتقي المرء حقيقةً طال غيابها
لا كما يلتقي حكما أخيرا
في قضيّةٍ أنهكته
وإن لم تجيئ
فلن أجعل من غيابك مقياسا لما أستحقّه من الحب
فما كلّ بابٍ أُغلق في وجوهنا كان دليلًا على أنّنا لا نستحقّ الدخول
ولعلّ هذا هو ما يبقى للإنسان بعد أن يهدأ ضجيج الرجاء
أن يفهم أنّ الحبّ تجربةٌ تغيّرنا
لا عقدٌ يُلزم الحياة بأن تأتي على الصورة التي اشتهيناها
وأنّ الوعد
مهما بدا راسخا في لحظة قوله يظلّ كلمة حتى تمنحه الأفعال جسدا أمّا القلب
فعليه أن يتعلّم كيف يمنح ثقته من غير أن يتنازل عن بصيرته وكيف يُخلص لشعوره من غير أن يجعل منه قيدا أبديا
لقد كنت أظن أنّني أنتظر عودتك ثم أدركت أنّني كنت أنتظر أيضا أن أعرف أي إمراة سأصير بعد هذا الانتظار
وليس أدري أكانت تلك محنتي أم حكمتي
لكنّني أعلم الآن أنّ بعض الوعود لا تكشف لنا حقيقة أصحابها وحدهم
بل تكشف لنا مقدار ما كنّا نجهله عن أنفسنا
ففي مهبّ الوعد
لا يتعلّم القلب كيف ينتظر فحسب
بل يتعلّم على مهلٍ وبكلفةٍ لا يراها أحد كيف يميّز بين ما يُحبّ
وما يتوهّم أنّه لا يستطيع الحياة من دونه
بقلم
سمية عمر عكاشة
الجزائر






المزيد
الغريب ألبير كامو قراءة أثر في /سلسلة من صنعاء إلى موسكو/لرواية “الغريب” لألبير كامو بقلم مريم الرفاعي
الشهادة التي تغيّرت بقلم هاني الميهي
على مهب الريح بقلم خنساء الهادي