أمي والوجود: حين يصبح الحب سؤالًا: فلسفيًا عن معنى الحياة
مقال
بقلم خيرة عبدالكريم
ليست الأم مجرد إنسان يرافقنا في رحلة الحياة، بل هي، في كثير من الأحيان، الجذر الخفي الذي تستمد منه أرواحنا معنى الوجود. معها نتعلّم أن الحياة ليست مجرد سنواتٍ تمرّ، ولا أيامٍ تتعاقب، وإنما روابط تمنح وجودنا قيمته، ووجوه نشعر أمامها بأننا لسنا وحدنا في هذا العالم الواسع.
وحين أنظر إلى عيني أمي المتعبتين، لا أرى التعب وحده، بل أرى تاريخًا كاملًا من التضحية، وذاكرةً مثقلةً بالانتظار، وعمرًا أنفقته في سبيل أن نكون نحن بخير. عندها يتسلّل إلى ذهني سؤال فلسفي عميق: هل نستطيع حقًا أن نعيش حياتنا بمعزلٍ عن أولئك الذين منحوا حياتنا معناها الأول؟
ذات يوم، نظرت إليّ أمي وقالت بصوتٍ يختبئ خلفه التعب: «لقد أتعبتُكِ معي يا بنيتي الصغيرة». بدت كلماتها بسيطة، لكنها فتحت في داخلي بابًا واسعًا من التأمل. كيف يمكن للإنسان الذي منحنا الحب دون حساب أن يشعر يومًا بأنه عبء علينا؟ وكيف تتحوّل الأم، التي كانت سندًا في ضعفنا، إلى شخص يخشى أن يصبح ضعفُه مسؤوليةً على أبنائه؟
لعلّ هذه إحدى مفارقات الحياة؛ فالإنسان الذي قضى عمره يمنح الآخرين قوته، يجد صعوبةً في تقبّل حاجته إليهم حين يضعف. كأن الأمومة، في جوهرها، تعوّدٌ طويل على العطاء، حتى يصبح الأخذ أمرًا تثقل به النفس، ويغدو طلب المساعدة شعورًا خفيًا بالذنب.
قلت لها: «أمي، فداكِ وقتي كله، فلا شيء يغلو عليكِ، ويكفيني من الدنيا دعاؤكِ».
لم تكن كلماتي مجرد تعبير عن عاطفة عابرة، بل كانت إعلانًا عن موقفٍ من الحياة نفسها. فهل تُقاس قيمة الوقت بما ننجزه فيه، أم بمن نمنحه إياه؟ وهل تكون الحياة أكثر غنىً حين نملأها بالنجاحات الفردية، أم حين نمنح جزءًا منها لمن كانوا سببًا في وجودنا؟
إنّ الزمن، من منظور فلسفي، ليس مجرد عقارب ساعة تتحرك، بل هو الوجود الذي نختار كيف ننفقه. وقد يبدو قضاء الوقت في رعاية أمٍّ متعبة أمرًا عاديًا في نظر البعض، لكنه في ميزان المعنى فعلٌ يتجاوز المنفعة؛ لأن الحب الحقيقي لا يسأل دائمًا عمّا سيكسبه، بل عمّا يستطيع أن يمنحه دون أن يفقد إنسانيته.
ومع ذلك، فإنّ برّ الأم لا ينبغي أن يكون إلغاءً للذات، كما أن عيش الحياة لا ينبغي أن يكون تخلّيًا عنها. فبين هذين الطرفين تتشكّل الحكمة: أن نعيش أحلامنا دون أن ننسى جذورنا، وأن نعتني بأنفسنا دون أن نهجر من يحتاج إلينا، وأن نفهم الاستقلال بوصفه قدرةً على الاختيار المسؤول، لا ذريعةً للابتعاد عمّن نحب.
قالت لي أمي: «عيشي حياتكِ، ولا تكترثي بي».
توقّفت طويلًا عند هذه العبارة. أكانت تريد أن تحرّرني من الشعور بالمسؤولية، أم كانت تخفي خلف كلماتها خوفًا من أن تصبح حاجتها إليّ قيدًا يعيق مستقبلي؟ ربما كانت تفعل الأمرين معًا؛ فالأم التي أفنت عمرها في منح أبنائها الحرية لا تريد أن ترى حبّها يتحوّل إلى قيدٍ عليهم.
لكنني أدركت أن الحب لا يعني أن نتخلّى عن الحياة من أجل الآخرين، ولا أن نتخلّى عن الآخرين باسم الحياة. الحب الناضج هو أن نبحث عن التوازن الذي يحفظ كرامة الطرفين، وأن نجعل الرعاية مشاركةً إنسانيةً لا شعورًا بالذنب، وأن نمنح من نحبّهم حضورنا دون أن نحرم أنفسنا من النمو والأمل.
لهذا قلت لها: «أطير إليكِ من بلدٍ إلى بلد، ولا تمنعني المسافات من الوصول إليكِ».
لم تكن المسافة بالنسبة إليّ مجرد حدود جغرافية، بل كانت اختبارًا لمعنى الارتباط. فبعض المسافات تُقاس بالكيلومترات، وبعضها الآخر يُقاس بما يتركه الغياب في القلب. قد تفصلنا المدن والبلدان، لكنّ المحبة تجعل حضور الآخر ممتدًا في وعينا، في قراراتنا، وفي الطريقة التي نفهم بها العالم.
ومع ذلك، يظلّ الإنسان كائنًا هشًّا أمام الزمن؛ لا يستطيع إيقاف تقدّم العمر، ولا إعادة الأيام التي مضت، ولا ضمان بقاء كل من يحبّهم إلى الأبد. وهنا تظهر المأساة الإنسانية في أعمق صورها: نحن نحبّ، ونعرف أن كل ما نحبّه معرّض للتغيّر والفقد، ومع ذلك نواصل الحب، ونتمسّك بالأمل، ونمنح لحظاتنا قيمةً أكبر لأننا ندرك أنها ليست أبدية.
فكيف أعيش حياةً لا تكون أمي فيها؟
ربما لا يكمن الجواب في محاولة تخيّل الحياة من دونها، بل في فهم ما تركته في داخلي من قيمٍ وذكرياتٍ وقوة. فالأم لا تسكن المكان الذي تجلس فيه فحسب، بل تسكن أيضًا اللغة التي نتحدث بها، والرحمة التي نعامل بها الآخرين، والصبر الذي نستعين به عند الشدائد. إنّ أثرها يمتدّ إلى ما هو أبعد من حضورها الجسدي؛ لأنها تشارك في تشكيل الإنسان الذي نصبح عليه.
غير أنّ هذا المعنى لا يلغي حاجتنا الإنسانية إلى وجودها الحقيقي، إلى صوتها ونظرتها ولمسة يدها. فالفكرة لا تعوّض الحضور، والذكرى لا تمنح الدفء نفسه الذي تمنحه لحظة قرب. لذلك لا أريد أن أكتفي بالحديث عن أثر أمي في روحي، بل أريد أن أعيش معها ما دام اللقاء ممكنًا، وأن أجعل المحبة فعلًا يوميًا لا كلماتٍ مؤجلة إلى وقت الندم.
إنّ الحكمة ليست أن ننتظر الفقد حتى ندرك قيمة من نحبّ، بل أن نعي قيمتهم وهم بين أيدينا. وليست البطولة أن نعلن استعدادنا للتضحية من أجلهم، بل أن نترجم هذا الاستعداد إلى رعايةٍ وصبرٍ واهتمام، وأن نمنحهم حقّهم في الضعف دون أن نشعرهم بأنهم أصبحوا عبئًا على الحياة.
وأمام عيني أمي المتعبتين، أشعر أنني أقف أمام سؤال أكبر من قدرتي على الإجابة: ماذا يستطيع الإنسان أن يفعل أمام الزمن سوى أن يحبّ بصدق، ويعمل بما يستطيع، ويأمل فيما لا يملك؟
هنا تنتهي حدود الإرادة البشرية، ويبدأ فضاء الإيمان. أرفع قلبي إلى الله، لا لأنني أملك ضمانًا ضد الألم، بل لأنني أحتاج إلى الرجاء الذي يمنحني القوة لمواجهة ما لا أستطيع التحكم فيه.
يا رب، لا تخيّب رجائي في أمي، واحفظها لي، وألبسها ثوب الصحة والعافية، وأرح قلبها من تعب السنين. اللهم ارزقني القدرة على برّها، ولا تجعلني أؤجل كلمة حبٍّ أو فعل خيرٍ أستطيع تقديمه لها اليوم.
ففي نهاية المطاف، قد لا نملك أعمار من نحبّ، ولا نملك أن نوقف الزمن عند لحظةٍ جميلة، لكننا نملك أن نملأ الحاضر بالرحمة، وأن نجعل وجودنا إلى جانبهم مصدر طمأنينةٍ لا خوف، وكرامةٍ لا شعورًا بالعبء.
أمي، لستِ مطالبةً بأن تعتذري عن تعبكِ، ولستِ عبئًا ينبغي أن أتحرّر منه. أنتِ إنسانة أحبّها، ووجودكِ نعمة أرجو من الله أن يطيلها، وحقّكِ عليّ أن أكون قريبةً منكِ بقدر استطاعتي، كما كنتِ قريبةً مني حين كنتُ أحتاج إليكِ.
فلسفة الحياة، كما أفهمها اليوم، ليست أن نتعلّم كيف نعيش وحدنا، بل أن نتعلّم كيف نحبّ دون أن نؤذي، ونرعى دون أن نُشعر من نحبّهم بالذنب، ونعيش حاضرنا بوعيٍ لأننا نعرف أن الزمن لا ينتظر أحدًا.
وإذا كان لي أن أختصر كل هذه الأفكار في أمنية واحدة، فسأقول: يا رب، امنح أمي من الراحة بقدر ما منحتنا من العطاء، ومن الفرح بقدر ما أخفت من الحزن، ومن الصحة بقدر ما استنزفت من عمرها في رعايتنا.
فبعض الأشخاص لا يكونون مجرد فصلٍ في كتاب حياتنا، بل يكونون المعنى الذي يجعلنا نرغب في مواصلة كتابة الكتاب كله.
وأمي، بالنسبة إليّ، ليست مجرد بداية الحكاية؛ إنها أحد أعمق الأسباب التي تجعلني أتمسّك بالحياة، وأبحث فيها عن الرحمة، وأؤمن أن الحب، رغم هشاشتنا أمام الزمن، يظلّ من أجمل المعاني التي يستطيع الإنسان أن يعيش من أجلها.






المزيد
لقلب لا يشبه أحدا سواك
الخنجر المسموم
حرب لا يراها أحد