إلى القلب الذي آواني
حين ضاقت بي الجهات…
بقلم : سمية عمر عكاشة
الجزائر
إلى ذلك القلب الذي لم يَرَ في انكساري عيبًا
ولا في ضعفي انتقاصًا
بل مدَّ إليَّ يده كأنّه عهدٌ من السماء
وأحاط روحي برفقٍ يشبه دعاء الأمّ في جوف الليل أكتب…
يا صاحب القلب النبيل
يا مَن أقبلتَ عليَّ حين أدبرت عنّي الحياة
ووقفتَ إلى جواري حين تفرّقت بي السُّبل
وكنتَ لي في ساعة الوهن سندًا
وفي ذروة الانهيار طمأنينةً لا تعرف الارتجاف
لقد أتيتني حين كنتُ أشبه بمدينةٍ أضناها الحصار تتهاوى أسوارها حجرًا إثر حجر
ولا تجد بين ركامها يدًا تنتشلها فإذا بك تمدّ يدك
لا لتسألني كيف سقطت
بل لتعلّمني كيف أعود واقفًا
ما سألتني يومًا عمّا أستطيع أن أقدّم
ولا جعلت من عطائك دينًا أثقل به كاهلي
ولا من حنانك قيدًا أُساوم عليه حريّتي؛ بل منحتني قلبك كما تُمنح الهدايا المقدّسة في صمتٍ مهيب
وصدقٍ لا تشوبه غاية
وكأنّك خُلقت لتكون استثناءً في زمنٍ غدت فيه المشاعر أسواقًا والمودّة حسابًا
والوفاء كلمةً تُقال أكثر ممّا تُعاش
لقد احتويتَ ضعفي دون أن تُشعرني بالهوان
ورأيتَ دموعي دون أن تُطالبني بتبريرها وأصغيتَ إلى صمت روحي كأنّك تقرأ مخطوطًا عتيقًا خطّته الأوجاع على صفحات العمر
وحين كنتُ أتهاوى من داخلي
كنتَ أنتَ الثبات الذي لا يُرى
ولكنّ الروح تعرفه
والوجدان يشهد له
والأيام لا تنسى أثره
أتعلم ما الذي فعلته بي
لقد أعدتَ إليَّ شيئًا كنتُ أظنّه قد مات في أعماقي
أعدتَ إليَّ إيماني بأنّ في الدنيا قلوبًا لا تمرّ بنا لتزيد جراحنا، بل لتضمدها
ولا تقترب من أرواحنا لتستنزفها
بل لتسقيها من فيض الحنان
علّمتني أنّ النبل ليس في كثرة الكلام
بل في يدٍ تمتدّ حين تنقطع الأيدي وفي صدرٍ يتّسع حين تضيق الدنيا
وفي قلبٍ يختار البقاء حين يكون الرحيل أيسر
فوالله
ما كلّ من أحبّ أجاد الاحتواء
ولا كلّ من اقترب عرف كيف يصون هشاشة الأرواح
أمّا أنت
فقد كنتَ لي من ذلك النادر الذي لا تُنصفه الحروف
ولا تفيه القصائد حقّه
ولا تكفيه أعمارٌ من الامتنان
ولئن كان للمرء في هذه الحياة نصيبٌ من الحظّ
فإنّ نصيبي الجميل أنّني عرفتك
وإن كان للروح وطنٌ تأوي إليه بعد طول اغتراب
فقد وجدتُ في قلبك وطنًا لا يسألني عن أسباب تعبي ولا يضيق بندوب ماضيَّ
ولا يشترط عليَّ أن أكون قويًّا كي أستحقّ البقاء فيه
فشكرًا لأنّك أحببتني في ضعفي ولم تنتظر اكتمالي
ولأنّك أمسكت بيدي حين عجزتُ عن حمل نفسي ولأنّك أودعتَ قلبك بين يديَّ دون شرطٍ أو قيد
وكأنّك تقول لروحي
كوني كما أنت
فهنا متّسعٌ لوجعك
وهنا أمانٌ لدمعك
وهنا قلبٌ لن يساومك على الطمأنينة
وإن سألوني يومًا عن أجمل ما قد تمنحه الأقدار للإنسان
فلن أقول مالًا يجمعه
ولا مجدًا يبلغه
ولا عمرًا يطول به المقام
بل سأقول أن يبعث الله في طريقه قلبًا رحيمًا، إذا انحنى أقامه
وإذا أظلمت روحه أشعل فيها قنديلًا وإذا أوشك على السقوط
صار له من المحبّة جناحان
فلك منّي دعاءٌ لا تبلغه المسافات وامتنانٌ لا تُحيط به العبارات ومكانٌ في أعماقي لا تطاله يد النسيان
ولعلّ أعظم ما أرجوه لك
أن يُسخّر الله لقلبك مَن يحتضن تعبك كما احتضنتَ تعبي
ويصون ضعفك كما صنتَ ضعفي
ويهبك من الأمان أضعاف ما منحتني
وأن يردّ إليك جميل ما صنعتَ بروحي أضعافًا مضاعفة
فبعض القلوب لا يكفيها الشكر
بل تستحقّ أن تُرفع لأجلها الأكفّ إلى السماء
دمتَ ذلك القلب الذي لم يخذل انكساري
ولم يُساوم على مودّته ولم يجعل من حنانه منّةً
ودمتَ نعمةً أحمد الله عليها في سرّي كلّما تذكّرتُ أنّني حين كنتُ على وشك الانهيار
كانت هناك يدٌ ممدودة
وقلبٌ متّسع
وروحٌ اختارتني…
بلا شروط
وبلا مقابل وبكلّ ذلك الصدق الذي لا يتكرّر كثيرًا في هذه الحياة






المزيد
يوم في الحياة بقلم : سها مراد
إلى أين؟ بقلم خنساء الهادي
روح مُظلمة بقلم رؤى خالد محمد