عهد لا تنقضه المسافات
هو لكِ دون سواك
وكفى بهذا العهد فخرا
وكفى به للقلب ميثاقا لا تنال منه عوادي الزمان
ولا تعبث بأركانه يدُ النسيان
فإنّ للروح عهودا لا تُكتب بالمداد
وإنما تُنقش في حنايا الفؤاد نقشًا لا تمحوه السنون
ولا تُبدّده رياح البُعد ولا تُوهِن عُراه تقلّبات الليالي
ولقد علمت منذ استقرّ حبّك في سويداء القلب
أنّ بيني وبينك سرا أجلَّ من أن تُحيط به العبارة وأعظم من أن تختزله الحروف
سرا إذا أطرقَ الليلُ أبوابَ وحدتي نهض في داخلي كأنّه فارسٌ من فرسان الهوى
لا يرضى لذكراكِ أن تغيب
ولا يأذن لملامحك أن تُوارى خلف ستار الغياب
وكأنّ عينيك
وإن نأت بهما الديار تقرآن من كتاب روحي ما لم تنطق به شفتاي
وكأنّ أنفاسك
وإن باعدت بيننا الفيافي
تحمل إليّ من خفيّ الشوق ما تعجز عن حمله الرسل وتقصّ عليّ من أنباء الحنين ما لو سمعه الصخر لانصدع ولو أصغت إليه النجوم لأسبلت من ضيائها دموع
وما المسافات
يا صاحب العهد
إلا أوهامٌ تنسجها الأرض بين جسدين أمّا الأرواح إذا تآلفت
فلا يحجبها بُعد
ولا يستوحشها درب
ولا يصدّها عن اللقاء طولُ انتظار
إنّها لتتلاقى في غفلة من الزمان وتتعاتب في صمت الليل
وتتبادل من نبضاتها رسائلَ لا يقرؤها إلا قلبٌ اصطفاه الهوى
وأفردته المحبّة بمقامٍ دون سائر القلوب
ولئن كان بيننا من البُعد ما يضيق به الصدر
فإنّ حرفا واحدا منك كفيل بأن يهزم جيوش المسافة ويُسقط أسوار الغياب
ويُشعل في رماد الانتظار ألفَ قنديل
فكيف إذا انحدر حرفك من علياء الشوق مبلّلًا بقطرات الحنين
تتهادى معانيه إليّ كما يتهادى الغيث على أرضٍ أضناها الجدب
عندها لا أعود أدري
أأنا الذي أقرأ كلماتك
أم أنّ كلماتك هي التي تقرأني وتكشف ما أضمره الفؤاد
وتفضح ما أخفاه الصمت من لواعج الوجد
أيا مَن لها في القلب عهدٌ لا يُساوَم عليه
ولا يستبدل به نعيمُ الدنيا وما فيها
إنّي ما اتّخذتُك عابرا في العمر
ولا جعلت هواك فصلًا تطويه الأيام إذا انقضى ولكنّي اتخذتك قدرا رضيه القلب وموطنًا تأوي إليه الروح واسما كلّما ضاقت بي الدنيا اتّسعت به أزقة الحياة
فكن على يقين أنّ ما بيننا ليس وعدا تبدّده المسافات
ولا شوقا تطفئه الأيام ولا حكاية تسدل عليها الليالي ستار الختام
إنّه عهد يسكن الروح ويجري في الدم مجرى الحياة
ويظل قائما ما دام في الصدر
نفس وفي القلب خفق
فأنت لي سرّا لا يُذاع
وعهدا لا يُخان
وحبًّا لا تُبدّله الدروب
ولكِ من فؤادي ما لا تبلغه الألفاظ
ومن شوقي ما لو قُسّم على المسافات لجعل البعيد قريب
ولو قُطّر حروفًا لكتبت به السماءُ على جبين الليل إنّ بعض الأرواح خُلقت لتكون لبعضها
وإن طال المدى
وإن عزّ اللقاء
وإن ظلّ بين النبض والنبض ألفُ حكايةٍ من الحنين
بقلم
سمية عمر عكاشة
الجزائر






المزيد
رفيق الذكريات بقلم رؤى خالد محمد
مبضع لبيب بقلم عبير عبد المجيد الخبيري
كم عانت العين بقلم أ. منذر المازوزي