مجلة ايفرست الادبيةpng
ﺟﺎﺭ ﺍﻟﺘﺤﻤﻴﻞ ...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

دوامة التفكير: لماذا لا يتوقف عقلك عن القلق؟

بقلم: د. عبير عبد المجيد الخبيري

(أخصائي نفسي)

هل حدث أن أويتَ إلى فراشك وأنت في غاية التعب، فأبى عقلك أن ينام؟

جسدك يطلب الراحة، بينما عقلك يفتح ملفات قديمة: موقف محرج حدث قبل سنوات، كلمة عابرة قالها زميلك صباحاً، فاتورة يجب سدادها، وخوف مبهم من الفشل في الغد.

تتقلب في فراشك، والساعة تشير إلى الثانية صباحاً، وعقلك ما زال يعمل بلا توقف… إن كنت تعرف هذا الشعور، فأنت لست وحدك، بل إنك عالق في ما يسميه علماء النفس “دوامة التفكير”.

ما دوامة التفكير؟

تخيل أنك تسير في صحراء وتدور حول نفسك؛ كلما سرت أكثر، ازددت تعباً، دون أن تتقدم خطوة واحدة. هذا هو التفكير المفرط.

إنه ليس التفكير النافع الذي يقود إلى حل، بل هو اجترار؛ كأنك تعيد مضغ الطعام ذاته مراراً. تكرر الفكرة ذاتها، والقلق ذاته، والسيناريو ذاته، بلا نتيجة جديدة، بل مجرد إرهاق مستنزف.

والفرق واضح: التفكير السوي ينتهي بقرار أو حل، أما الدوامة فلا تنتهي، بل تبتلع طاقتك.

لماذا يرفض عقلك التوقف؟ أربعة لصوص تسرق هدوءك

عقلك لا يتعمد إيذاءك، بل يظن أنه يحميك، لكنه يبالغ في الحماية حتى يصبح عبئاً ثقيلاً:

1. لص المستقبل “ماذا لو؟”: وهو أخطرها. يحب عقلك توقع الخطر، فيسأل بلا انقطاع: ماذا لو مرضت؟ ماذا لو فقدت عملي؟ ماذا لو لم يحبني الناس؟ ومشكلة “ماذا لو” أنها بلا إجابة، فيظل العقل يدور بحثاً عن جواب لن يجده.

2. لص الماضي “لو أنني…”: يسكن هذا اللص في الأمس. يعيدك إلى موقف قديم ويعيد تمثيله: لو أنني لم أقل تلك الكلمة، لو أنني درست أكثر. يجلدك على أمر انتهى ولا يمكن تغييره، فيجعلك تعيش الندم مرتين.

3. لص الكمال “يجب أن يكون كل شيء مثالياً”: يصيب هذا اللص المتفوقين والموهوبين خاصة؛ فلا يرضى إلا بالكمال، وإن أنجزت عملاً ممتازاً قال لك: كان يمكن أن يكون أفضل. فيجعلك تخشى البدء خوفاً من الخطأ.

4. لص الضجيج “عالم لا يهدأ”: لم نعد نمنح عقلنا فرصة للراحة. نستيقظ على الهاتف وننام عليه؛ أخبار متلاحقة، ومقارنات، وصور لحياة مثالية. يمتلئ العقل بما يفوق طاقته، فيختنق ويبدأ بالدوران.

كيف تدمر هذه الدوامة جسدك ونفسك؟

نظن أن التفكير شأن عقلي فحسب، لكنه يهدم الجسد كله:

 يسرق النوم: فمن يفكر كثيراً لا ينام بعمق، ويستيقظ مرهقاً ولو نام ساعات طويلة.

 يمرض الجسد: القلق المستمر يرفع هرمون التوتر، فيسبب الصداع المزمن، وآلام المعدة والقولون، وتساقط الشعر، وضعف المناعة. وكثير من الأوجاع التي نراجع الأطباء من أجلها، سببها فكرة لا تتوقف.

 يفسد العلاقات: حين تغرق في أفكارك، لا تصغي لمن يحدثك، ولا تفرح مع من يحبك. تكون حاضراً بجسدك، غائباً بعقلك.

 يشل القرار: كثرة التفكير تجعلك تخاف الاختيار، فتؤجل حتى تضيع الفرص… وهذا ما يسمى في علم النفس “الشلل التحليلي”.

كيف نخرج من الدوامة؟ خمس خطوات عملية

لست مطالباً بإيقاف التفكير تماماً، فهذا مستحيل، بل المطلوب أن تعلم عقلك متى يفكر ومتى يرتاح:

1. الخطوة الأولى: أخرج الفكرة من رأسك إلى الورق: العقل يضخم الفكرة حين تبقى في الداخل. أحضر ورقة واكتب: ما الذي يقلقني الآن تحديداً؟ حين تراها مكتوبة، ستدرك أن حجمها أصغر بكثير مما تخيلت.

2. الخطوة الثانية: اسأل السؤال الذهبي: عند كل فكرة مقلقة، اسأل نفسك: هل هذا الأمر بيدي الآن؟ إن كان بيدك، فافعل شيئاً صغيراً تجاهه فوراً. وإن لم يكن بيدك، فقل بوضوح: هذا ليس بيدي الآن، والتفكير فيه لن يغير شيئاً.

3. الخطوة الثالثة: حدد موعداً للقلق: قد تبدو فكرة غريبة لكنها فعالة. قل لنفسك: سأقلق من السابعة حتى السابعة والربع مساءً فقط. وخارج هذا الموعد، أجل أي فكرة مقلقة إلى موعدها. مع الوقت، سيلتزم عقلك.

4. الخطوة الرابعة: حرك جسدك ليهدأ عقلك: العقل والجسم مرتبطان؛ لا يمكنك أن تطلب من عقلك الهدوء وأنت ساكن. امشِ عشرين دقيقة، رتب غرفتك، أو مارس عملاً يدوياً بتركيز. الحركة تكسر الحلقة المغلقة.

5. الخطوة الخامسة: لا تحارب الفكرة، دعها تمر: أكبر خطأ أن تقول: يجب ألا أفكر في هذا. سيعاندك العقل ويفكر أكثر. تخيل أفكارك كسحب في السماء، تراها تمر ولا تمسك بها، وقل: هذه فكرة قلق جاءت مجدداً، ودعها تعبر بسلام.

خاتمة ويقين:

في الختام، تذكر هذه الحقيقة: عقلك أداة نفيسة، لكنه مجرد أداة. أنت لست أفكارك، أنت من يستخدم الأداة، ولست الأداة ذاتها.

حين تتعلم أن تقود عقلك بدلاً من أن يقودك، ستدرك أن الهدوء لم يكن بعيداً، بل كان مختبئاً خلف ضجيج الأفكار.