ابتسامة جاهزة للعمل… وليست للحياة.
الكتاب هانى الميهى
كان المقهى في تلك الساعة يشبه مدينة صغيرة لا تتوقف؛ باب يُفتح، وآخر يُغلق، فناجين تتنقل بين الأيدي، وملاعق تصطدم بأكواب زجاجية فتترك رنينًا خفيفًا يذوب سريعًا في ضجيج المكان. في الخلفية موسيقى هادئة بالكاد تُسمع، وعلى الطاولات حكايات كثيرة لا يعرف أصحابها شيئًا عن بعضها. رجل يحدق في هاتفه، اثنان يتحدثان بحماس، امرأة تحرك ملعقتها في فنجانها دون أن تشرب، وموظف يمر بين الجميع حاملاً صينية كأن الوقت يطارده.
كنت أرتشف قهوتي ببطء، وعيناي تتحركان في المكان بلا هدف، حتى توقفتا عند فتاة من طاقم العمل.
كانت صغيرة السن، نحيلة قليلًا، بشعر أسود جمعته خلف رأسها على عجل، وبعض خصلاته أفلتت حول وجهها. كانت ترتدي زيّ العمل بعناية، لكن التعب كان قد سبقها إليه. وجهها هادئ، شاحب قليلًا، وعيناها تحملان ذلك النوع من الحزن الذي لا يطلب الشفقة، لأنه تعلّم منذ وقت طويل كيف يختبئ.
كانت تقترب من كل طاولة بابتسامة.
ابتسامة جاهزة للعمل… وليست للحياة.
تقول: «تفضل»، «من فضلك»، «هل تحتاج شيئًا آخر؟» ثم تنصرف، وفي كل مرة كانت تبتعد فيها خطوتين، تسقط الابتسامة من وجهها للحظة، كأنها قناع ثقيل لا تستطيع ارتداءه إلا أمام الآخرين.
وفي إحدى المرات، توقفت قرب النافذة، وأسندت يدها إلى طرف الطاولة، وأغمضت عينيها لثوانٍ. لم تبكِ. فقط أخذت نفسًا طويلًا، ثم رفعت وجهها، وعادت بابتسامتها نفسها.
راقبتها وأنا أرفع فنجاني إلى شفتي، وفكرت أن بعض الناس لا يبتسمون لأنهم بخير، وإنما لأن الحياة طلبت منهم أن يبدوا بخير.
وكانت هي واحدة منهم.
تلك الابتسامة الصغيرة التي توزعها على الغرباء، ربما كانت الشيء الوحيد الذي بقي لها من قدرتها على إخفاء وجعها.






المزيد
رسائل ضائعه بقلم خنساءالهادي
حين تلمسني يدك بقلم هانى الميهى
اطمأن بك بقلم رحمة محمود حسن