مجلة ايفرست الادبيةpng
ﺟﺎﺭ ﺍﻟﺘﺤﻤﻴﻞ ...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

ما بقي من الحقيقة بقلم الكاتب هاني الميهي

ما بقي من الحقيقة

 الكاتب هاني الميهي

 

الفصل الأول: اليوم الذي غيّرنا قصته

 

لم يكن يتذكر اليوم كما حدث.

 

كان يتذكره كما احتاج أن يتذكره.

 

جلس في المكان نفسه بعد سنوات، أمام كوب قهوة لم يكن بحاجة إليه، يراقب البخار الصاعد من حافته، ثم التفت إلى النافذة. الشارع في الخارج تغير قليلًا، أو ربما هو الذي تغير كثيرًا، حتى إن الأشياء القديمة بدت أصغر مما تركها.

 

مرّ رجل أمام الزجاج، فتوقف بصره لحظة.

 

لم يعرف لماذا تذكر يومًا بعيدًا.

 

لم يكن في الرجل شيء يشبه أحدًا يعرفه، ولا في الشارع ما يستدعي تلك السنوات. مجرد حركة عابرة، ومع ذلك ظهرت في داخله صورة قديمة: باب يُغلق، صوت يرتفع، يد تتردد قبل أن تطرق، ثم صمت طويل.

 

كان متأكدًا من أنه يتذكر المشهد كاملًا.

 

هكذا ظل يرويه دائمًا.

 

قال إن الطرف الآخر كان قاسيًا، وإنه حاول كثيرًا، وإن النهاية جاءت فجأة، وإنه لم يكن أمامه خيار آخر.

 

كلما حكى القصة، كانت التفاصيل تستقر في أماكنها أكثر، حتى بدت كأنها حدثت بهذه الطريقة الوحيدة الممكنة.

 

لكن في ذلك اليوم، ظهرت تفصيلة صغيرة لم يكن يتذكرها من قبل.

 

كانت هناك جملة قالها هو.

 

جملة قصيرة.

 

لم تكن قاسية، لكنها لم تكن بريئة أيضًا.

 

ظل ينظر إلى القهوة، وكأن الجملة سقطت أمامه للتو.

 

حاول أن يستعيد ما بعدها، فلم يجد شيئًا.

 

الغريب أن ذاكرته كانت تحتفظ بكل شيء قبلها تقريبًا، ثم تترك فراغًا واسعًا بعدها.

 

لأول مرة، لم يسأل: لماذا فعل الآخر ذلك؟

 

سأل نفسه سؤالًا أكثر إزعاجًا:

 

ماذا لو أن القصة التي عاش بها كل هذه السنوات لم تكن كاذبة، لكنها لم تكن كاملة؟

 

لم تجبه النفس.

 

كانت تعرف أن الإنسان لا يحذف من ذاكرته دائمًا لأنه يريد الكذب، وإنما لأنه يحتاج أحيانًا إلى رواية يستطيع أن يكمل حياته من داخلها.

 

بعض الحقائق ثقيلة في لحظة وقوعها.

 

وبعضها يصبح أثقل عندما نكبر بما يكفي لفهمه.

 

رفع الكوب، لكنه لم يشرب.

 

كان ينظر إلى انعكاس وجهه على الزجاج، وشعر للمرة الأولى أن الماضي لا يحتاج دائمًا إلى أن يتغير.

 

أحيانًا يكفي أن نراه من الجهة التي لم نكن مستعدين لرؤيته منها.

 

وحين غادر المكان، لم يعرف إن كان قد تذكر الحقيقة أخيرًا، أم أنه بدأ فقط في الاقتراب منها.