الفصل السادس
بقلم الكاتب هاني الميهي
ما لم يجد طريقه
📘 وجع خفي
كانت النفس تحفظ أشياء لم تجد طريقها إلى الخارج.
لم تكن كلمات كاملة دائمًا. أحيانًا كانت مجرد بداية جملة توقفت في منتصفها، أو اسمًا مرّ في الرأس ثم اختفى، أو رغبة في الاقتراب انتهت بخطوة إلى الخلف.
كانت تعرف أن الكلام لا يتأخر لأن اللسان عاجز عنه دائمًا.
أحيانًا يتأخر لأن القلب لا يعرف ماذا سيفعل بعد أن يقوله.
في مساء هادئ، جلس الإنسان أمام هاتفه طويلًا.
فتح محادثة قديمة.
مرر الشاشة ببطء.
توقف عند رسالة لم يعد يتذكر لماذا احتفظ بها.
قرأها مرة.
ثم أغلق الهاتف.
بعد دقائق، عاد إليها.
كانت هناك كلمات كثيرة كان يمكن أن تُقال يومها، لكنه اختار الصمت. لم يكن يعرف أن بعض الصمت لا ينتهي بانتهاء الموقف؛ يظل جالسًا في الداخل، ينتظر مناسبة أخرى لا تأتي.
كانت النفس تراقب.
لا تلومه.
فهي تعرف أن بعض اللحظات تكون أكبر من قدرة الإنسان على التعبير عنها.
—
هناك اعتذار يأتي بعد أن تهدأ الغضبة، فيصبح أكثر صدقًا وأقل فائدة.
وهناك امتنان لا يُقال إلا بعد أن يصبح صاحبه بعيدًا.
وهناك محبة تظل مختبئة خلف الخوف من أن تُفهم خطأ.
وهناك عتاب يتأخر حتى يفقد رغبته في العتاب، ولا يبقى منه إلا ذلك السؤال القديم:
لماذا لم أقل؟
كانت النفس تعرف أن السؤال لا يبحث دائمًا عن إجابة.
أحيانًا كان يبحث عن فرصة ثانية.
—
مرّ الإنسان ذات يوم بجوار مكان قديم.
لم يتوقف.
لكن خطواته تباطأت قليلًا.
لم يكن هناك شيء واضح يستدعي التذكر.
مجرد باب.
نافذة.
شجرة تغير حجمها مع السنوات.
ومع ذلك، تحرك شيء في الداخل.
عادت جملة لم تُقل.
وجه لم يُودَّع كما ينبغي.
ويد كان يمكن أن تمتد، لكنها بقيت في مكانها.
لم تعد النفس تستعيد التفاصيل كاملة.
كانت تستعيد الشعور فقط.
ذلك الشعور الذي يبقى حين ينتهي كل شيء ولا يجد صاحبه الكلمات المناسبة ليضع له نهاية.
—
أحيانًا لا تكون المشكلة أن الكلام لم يُقل.
المشكلة أن الإنسان ظل ينتظر اللحظة المثالية ليقوله.
انتظر أن يهدأ الآخر.
أن يصبح الوقت مناسبًا.
أن تزول الحساسية.
أن يفهم الطرف المقابل.
أن يصبح هو نفسه أكثر شجاعة.
ثم مرت الأيام.
والأيام لا تنتظر اكتمال الإنسان.
تأخذ الناس معها، وتغلق أبوابًا، وتغير أماكن، وتحوّل بعض اللقاءات إلى ذكريات.
وحينها تعرف النفس أن بعض الكلمات كانت تحتاج فقط إلى أن تُقال وهي ناقصة.
كان يكفي أن تخرج.
حتى لو ارتجفت.
حتى لو لم تكن مرتبة.
حتى لو لم تستطع أن تحمل كل ما في الداخل.
—
في آخر الليل، أضاء الهاتف.
ظهرت رسالة قصيرة من شخص قريب:
«في حاجة كنت عايز تقولها؟»
بقيت العينان على الشاشة.
وللمرة الأولى، لم تبحث النفس عن الجملة المثالية.
تحركت الأصابع ببطء.
خرجت كلمات قليلة.
بسيطة.
غير مكتملة.
لكنها وصلت.
وظلت النفس تراقبها وهي تغادر المكان الذي عاشت فيه طويلًا.
لم يتغير العالم.
لم تُحل كل الأشياء.
لكن شيئًا في الداخل أصبح أخف.
فبعض الكلمات لا تأتي لتغيّر ما حدث.
تأتي فقط كي لا يظل الإنسان يحملها وحده.






المزيد
يوم طبيعي ولكنه هام بقلم : سها مراد
التنمّر بقلم : أميرة محمد عبدالرحيم
الفصل السابع “ما بقي بعد الغياب” بقلم الكاتب هاني الميهي