قراءة في رواية “بلاد بلا سماء” لوجدي الأهدل – بقلم مريم الرفاعي اليمن
ضرب الكاتب ثلاثة عصافير بحجر واحد، وهذا ما يثبته العنوان “بلاد بلا سماء” الذي جعل من القارئ محققاً في الرواية.
اجتمعت في الرواية عدة قصص مرتبطة بسماء، اللغز المحير الذي جعل القارئ يتتبع خيوط الجريمة.
بدأ الكاتب بوصف الجامعة بعمق في عيون صاحب البوفية، الخبير الذي يعرف كل شيء، حتى أنه دخل إلى نفسيات الطلاب والدكاترة وحياتهم.
ثم انتقل إلى زاوية عاطفية: مجنون ليلى الذي أحب سماء حتى الموت، شهيداً على يد الثأر للكرامة والعرض والعصبية القبلية والسحر.
وبعدها حلل جريمة اختفاء سماء من زاوية البحث الجنائي.
وأخيراً جاء مقطع الصدمة: أن سماء بنفسها هي التي كتبت نهايتها.
ولكن ما لا تعلمون يا سادة أن وجدي الأهدل لم يكتب رواية عادية، وإنما كتبها بدهاء شديد. مرّ على المجتمع وكيف يفسر ويحلل الأخبار، وأيضاً على الجرائم التي تحدث باسم العلم.
المصيدة الثانية هي السحر والقوى الخارقة التي ربطتنا إلى نهاية الرواية وكأنك تشاهد فيلم رعب.
المصيدة الثالثة: بلاد بلا سماء تعني أن الروايات التي يكتبها أصحابها إنما تعبر عنهم وتكشف ما يدور في خواطرهم أو البيئة التي جاؤوا منها.
ومثلت الرواية الخدع التي يتبعها الكاتب في السرد، مثل طريقة العالم الخبير الذي يتعمق في الشخصيات ويتدخل في حياتهم، وكيف تُكتب الروايات النفسية وروايات الرعب.
ومن هنا تعالوا نفكك الرموز:
سماء ليست شخصية مختفية، وإنما هي القلم الذي تُكتب به الروايات. المخبر هو الكاتب. أما بقية الشخصيات فهم القراء الذين يحللون الروايات من زواياهم المختلفة. الشمس هي الوضوح. الرجل الوسيم ذو الشعر الأبيض هو العلم والخبرة. أما الكتاب بلا كلمات فهو حياة الإنسان وطريقه الذي يتأمل كل شيء ثم ينتهي كـ لا شيء. شجرة الرمان رمز للظل والهدوء الذي يبحث عنه كل إنسان، والرمانة رمز للقلب. وهذا هو الوعي.
وعندما كتب وجدي الأهدل عن علي نشوان أخبرنا كيف تُقتل الرواية في قلب القارئ، بإيضاح كل شيء. علي نشوان ليس شخصاً بل هو الوصف نفسه. القاتل الحقيقي هو الكاتب نفسه عندما يقتل روايته بالشرح والإيضاح والغرق في الوصف أو التفنن الزائد في الزخرفة بدون هدف.
وجدي الأهدل كتب سيمفونية روائية، فعندما نكتب رواية لا نعرف ما نهايتها إلا إذا تتبعنا خيوط الفكرة لكي نصل إلى السقف النهائي للرواية، والأفكار لن تأتي من العبث بل من البلاد التي في أنفسنا.
واللون الأبيض هو اللون الذي تجتمع فيه الألوان باختلاف جنسياتها وطرق تفكيرها، والرواية العظيمة هي رواية بيضاء تجمع كل الألوان ولا تحكم.
بلاد بلا سماء هي الكتب والروايات التي ندخلها بدون تحليل ونخرج منها بوعي أن ما يُكتب إنما هو نابع عن الخبرات وتلخيص خبرات الأشخاص الذين نعرفهم أو لا نعرفهم عبر بوابة الزمن.
وموت سماء بلا جثة ولا أثر هو موت الفكرة.






المزيد
قراءة في رواية “وردة في الريح” للكاتب عبد الغني الأهدل بقلم: مريم الرفاعي / اليمن
الخبز الحافي – قراءة بقلم: مريم الرفاعي
تهنئة للناشط عبادة عمر الربيع